دينيمقالات متنوعة
أخر الأخبار

رمضان… برهان الإرادة وفضح الأعذار

رمضان… برهان الإرادة وفضح الأعذار

 

بقلم: د. أحمد النجار

إنها أكذوبة كبيرة أن يردد الإنسان في نفسه أنه لا يستطيع أن يقلع عن ذنب حرمه الله، أو أنه عاجز عن تعلم شيء في زمن محدد، أو غير قادر على إنجاز أعماله في وقت معلوم، أو كبح لسانه عن محرم في فترة معينة. هذه العبارات قد تبدو مريحة للنفس، لكنها في حقيقتها حواجز نفسية يصنعها الإنسان ليبرر تقصيره.

ويأتي شهر رمضان كل عام ليكشف زيف هذه المقولات، وليقدم برهانًا عمليًا متكررًا على قدرة الإنسان على التغيير والانضباط.

رمضان ليس مجرد موسم روحاني عابر، بل هو مدرسة زمنية دقيقة. ثلاثون يومًا تقريبًا ليست رقمًا عبثيًا تُعاد فيها برمجة السلوك الإنساني. ووقت الصيام من الفجر إلى المغرب وهو وقت محدد بدقة ليس اختيارًا عشوائيًا، بل تدريب يومي صارم على ضبط النفس وإدارة الرغبات. يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[البقرة: 183]

فالغرض المعلن من الصيام هو صناعة التقوى، أي بناء القدرة الداخلية على التحكم في النفس.

تأمل كيف يمتنع ملايين المسلمين طوعًا عن الطعام والشراب، وهما من أقوى الدوافع الفطرية، لساعات طويلة يوميًا. فإذا كان الإنسان قادرًا على كبح أعظم شهواته المباحة أصلًا، فكيف يعجز عن ترك محرم أو عادة سيئة؟ إن الواقع العملي في رمضان ينسف هذه الدعوى من جذورها.

بل إن الصيام لا يقتصر على الجوع والعطش، وإنما يمتد إلى ضبط السلوك واللسان. قال النبي :

«مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعملَ به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

(رواه البخاري)

فهذا توجيه واضح بأن الصيام الحقيقي هو تدريب شامل على الانضباط الأخلاقي، وليس مجرد امتناع جسدي مؤقت.

ومن العجيب أن كثيرًا ممن يظنون أنهم لا يستطيعون تنظيم أوقاتهم، يتحولون في رمضان إلى نماذج منضبطة: يستيقظون للسحور في وقت محدد، ويصلون في أوقات منتظمة، وينتظرون لحظة الإفطار بدقة. هذا التحول السنوي يثبت أن المشكلة ليست في القدرة، بل في الإرادة والتعود.

ولا يقف الأمر عند العبادات فقط؛ فالمبدأ نفسه يمتد إلى كل مجالات الحياة. فمن استطاع أن يلتزم بالصيام يوميًا لمدة شهر كامل، يستطيع بإذن الله أن يتعلم لغة جديدة إذا خصص لها وقتًا ثابتًا كل يوم، ويستطيع أن يكتسب مهارة أو حرفة جديدة إذا واظب على التدريب المنتظم، بل ويستطيع أن يتعود على ممارسة الرياضة والذهاب إلى الجيم إذا جعل ذلك جزءًا من جدوله اليومي.

إن سر النجاح ليس في الدفعة الكبيرة المؤقتة، بل في التكرار الصغير المستمر.

ويؤكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[العنكبوت: 69]

فالمجاهدة بداية الهداية، والخطوة الأولى في التغيير هي القرار الصادق، لا الادعاء بالعجز.

ومن منظور علمي سلوكي، تشير دراسات علم النفس إلى أن تكوين العادات الجديدة يحتاج إلى فترة زمنية من التكرار المنتظم، *وغالبًا ما تُذكر مدة تقارب 21 إلى 30 يومًا* لترسيخ السلوك الجديد.

وهنا تتجلى حكمة التوقيت الرمضاني؛ إذ يأتي الشهر كاملًا ليمنح الإنسان فرصة عملية لإعادة تشكيل عاداته اليومية، جسديًا وروحيًا وسلوكيًا.

إن رمضان في حقيقته تجربة إثبات سنوية: إثبات أنك تستطيع… إذا أردت. تستطيع أن تضبط شهوتك، وأن تمسك لسانك، وأن تنظم وقتك، وأن تنجز أعمالك، وأن تترك ما حرم الله، وأن تبدأ طريق تعلم لغة جديدة، أو إتقان مهارة، أو الالتزام بالرياضة. فإذا انقضى الشهر وعدت إلى سابق عاداتك، فالمشكلة لم تكن يومًا في القدرة، بل في صدق القرار واستمرارية المجاهدة.

 

ولهذا قال النبي ﷺ:

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».

(متفق عليه)

فالنجاح الحقيقي ليس في الانضباط المؤقت، بل في تحويل إنجاز رمضان إلى نمط حياة دائم.

ختامًا..

رمضان لا يأتي ليجوعنا فقط، بل ليكشف لنا حقيقتنا. يأتينا كل عام ليقول بصمت عملي: أنت أقوى مما تظن، وأقدر مما تدعي، وأقرب إلى التغيير مما تتخيل. فمن صدق مع الله في رمضان، صدقه الله بعد رمضان. ومن أثبت لنفسه القدرة في هذه الثلاثين يومًا، لم يعد له عذر بعد ذلك.

فلنجعل من رمضان نقطة انطلاق لا محطة عابرة، ومن برهان الثلاثين يومًا حجة لنا لا علينا..

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[البقرة: 148]

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي