استطفل على وزن استفعل. وهي إحدى الصيغ الصرفية الشهيرة في اللغة العربية التي لها استخدامات متعددة. منها التحول من صورة لأخرى. ونضرب هنا مثالا بكلمة استحجر التي تدل على التحول إلى حجارة.
استطفل إذن تدل مجازا على التحول إلى طفل، وبالطبع ليس المقصود بهذا التحول هنا تحولا جسديا وفيزيولوجيا. بل المقصود هو التحول السلوكي.
لقد فقدنا ككبار الكثير من سمات طفولة كانت فرشا لراحة البال والسعادة إبان كنا صغارا. سمات لو عادت إلينا – بل الأصح لو عدنا إليها – ستتغير حياتنا رأسا على عقب، وتتحسن أحوالنا بصورة غير متوقعة. فما هي سمات مرحلة الطفولة التي لو عدنا إليها لعادت معها السعادة والطمأنينة والراحة وكثير مما نتمنى؟!
سمات كثيرة هي إن أخذنا نحصيها ولن يكفي شرحها مثل مقال، لكن أذكر بعض أهمها من وجهة نظري. وعليك أنت أن تفتش في طفولتك وطفولة الآخرين عما فيها من بواعث سرور واستقرار وجداني يناسبك ويناسب من تحب. ثم ننسق هذه السمات في قالب يناسبنا كبالغين. جدرانه الحكمة.
تعد البساطة في العلاقات والمعاملات من أهم ميزات الطفولة. بساطة في الفعل وبساطة في تلقيه وبساطة في رد الفعل عليه. ليس للتعقيد وسوء الظن مساكن في القلوب. وليس ميزانها محكما في العقول. فإن تعلمنا من الأطفال ذلك نحسن الظن فنفتش عن عذر، أو نمتثل لدعوة أو … إلخ، فتتحسن علاقاتنا ومعيشتنا.
إن حسن النوايا عند الأطفال ذريعة لامتداد العلاقات، وتشعبها بسرعة. وجني الممتع من هنا وهناك. فإذا وضعناه في إطار الحذر وحكمة البالغين. نجحنا في غرس أنفسنا في بستان ينضح براحة أكبر وتوازن هادئ في الحياة.
ومع البساطة تترافق المرونة؛ التي هي مادة الأربطة بين الأطفال والمحيطين. فإن اقتدينا. فلن نسارع بتفصيل التفسيرات على مقاس سوء ظننا، ثم نطلق الأحكام في عقولنا ثم نأمر جوارحنا بتنفيذها، والنتيجة؛ خصام، شجار، عراك، خراب، قطيعة، وحتى قد تحدث جريمة. فعلينا أن نروح ونرجع مع الأربطة بيننا باتجاه استمرار العلاقات وتعزيزها.
وتشمل المرونة؛ عدم التزمت في التزام حدود ثابتة مع الجميع في جميع الظروف مطلوبة. فليس الجميع تنطبق عليهم ذات مقادير العواطف النابعة منا تجاههم والعكس. وليس الجميع مأمونون بنفس المقدار، وليس الجميع تتعارض وتتلاقي مصالحهم معنا بذات القدر، كما أن الجميع مختلفون في مقدار السماح لنا بالتعمق داخل حدودهم. فهيا نطبق تلك المرونة ولكن بحكمة.
الجهل بالواقع ومصادر الخطر، من سمات الطفولة والتي تتولد منها جرأة الطفل على التجربة والاستكشاف والتعلم واقتناص الفرص؛ فيفوز بالخبرات والمكاسب. ولست هنا عندما أنادي بالتأسي بالأطفال أدعو إلى الجهل والعود والتخلي عن اكتساب خبرات الحياة، ولست أدعو إلى الحمق والتهور أو المغامرة غير المحسوبة ولكني أدعو إلى الجرأة الحكيمة في سبر الأغوار، واكتساب الجديد فتصبح حياتنا متجددة بمتع من مكاسب أو معارف نابعة من استمرار استكشاف الواقع.
مدى عمق الشعور بأول مرة لحدوث شيء محبب؛ حتى وإن كان هو شم رائحة طبخة معينة أو الانتباه لوجود حديقة ما في طريقنا إلى مكان ما؛ حفظت في خزائن وجداننا منذ الصغر ذكريات عديدة عن مكونات المشهد من مكان وأشخاص وأحاسيس، وأصبحت مفاتيحا لهذه الخزائن؛ فكلما صادفنا مفتاحا منها تمتعنا بعودة الذكرى تحلق في نفوسنا. فهيا نربط كل جديد بشعور سار نذكره كلما صادفنا هذا الجديد.
تتميز الطفولة بالجهل باليأس وببذل الجهد في سبيل تحقيق الرغبة والهدف، مع النشاط الدائم المتجدد بطاقة تخيل الاستمتاع بلمس ذلك الهدف، وقد يكون الجهد بدنيا تارة وقد يكون نفسيا تارة أخرى. المهم هو بلوغ الهدف وتحقيق الأمنية، فهيا نقلم أمنياتنا ثم ننطلق مقتدين بالأطفال في إطفاء اليأس وإشعال شعلة النشاط والعزم والمثابرة.
القدرة على الفصل بين نشاط الجد والهزل، مع اعتبار الهزل حق من الحقوق الأصيلة التي تجدد الطاقة وتكسب المزيد من القدرة على جني الخبرات. وطالما كان هذا الهزل في إطار المباح شرعا وعرفا؛ ولم ينتج من إنجازه ضرر فما المانع من شحن نفوسنا عن طريق طاقته؟!
الرغبة في الحصول على البهجة والسرور من سمات الطفولة التي تخلينا عنها عمدا أو سهوا، فلقد أغلقنا على أنفسنا داخل أقفاص التذمر والسخط وهموم الماضي والحاضر والمستقبل. ومددنا قضبان القلق والحقد والغيرة و كثير من سموم العواطف الهدامة.
هيا نستعيد ما تخلينا عنه كي نتحرر
لدى الأطفال حب لاتباع القواعد والنظام، فهم يحتاجون إلى بيئة منظمة، ونمط حياة ثابت. ولذلك فمعرفة الحدود واجبة حتى لا تنتقص الحقوق وحتى تكون الحرية محددة المعالم، مع استمرار تقبل الحدود والالتزام بها كلما نبه المحيطون عليها. فإذا تقيدنا كبالغين بهذه القاعدة – حتى مع الامتعاض – فلا شك أن العلاقات ستكون أكثر استقرار وهدوءا.
يبدأ الطفل من خلال شعوره بالحرية في التعلم في استكشاف ما حوله، فإذا تعلمنا تطبيق ذلك عمليا بحكمة البالغين؛ فسوف نقترب من الراحة النفسية. وكلمة استكشاف توحي بتفقد الحدود ومدى إمكانية تخطيها ولأي مدى، وبناء على تلك الحدود في كل علاقة تكون درجة الأريحية في التعامل مع المحيطين بمرونة ومتعة وتعاونية وكسب مشترك، فدع الخجل والقلق، ثم انطلق.
عدم العنصرية باب مفتوح على العلاقات الجديدة والتمتع بما سيجنيه الطفل منها، فليس هناك كبير وصغير أو أبيض و أسود، فلسان حال الطفل يقول؛ طالما ستشاركني أو تعاونني في بلوغ هدفي فمرحبا بك رفيقا مؤقتا أو مستديما في دربي. فلنفعل ذلك نحن وللننظر للجميع بعين الحكمة وليس بعدسات تمييزٍ خبيثة.
الاهتمام بالجواهر أكثر من المظاهر تجعل الطفل أكثر تمتعا بالعلاقات، لكننا وقد صنفنا الناس إلى طبقات تبعا الملبس والمسكن والمناصب، فإننا قد خسرنا الكثير عمدا بما اقترفته قلوبنا المتساعة إلى عقل سقيم. هيا نتعامل مع الجوهر ونجعله من مقاييس علاقاتنا بالآخرين .
التسامح عند الأطفال مشابه لما يدعو إليه الدين؛ فلماذا نعبئ قلوبنا بأحجار سوداء من حقد وكره وغيرة مذمومة و غيرها. ولماذا نظل نذكر أنفسنا بكدر ما حدث منذ عشرين عاما ونعكر به صفو علاقات جاهدت سنوات لتتطهر في بحار حسن المعاشرة؟! أليس ذلك عجيبا؟! لماذا نهيج آلام الماضي كلما سكنت عواصفها ولماذا نحتفل مرارا بالذكرى الخبيثة مهما امتد عمر الربيع؟!
التعلم فطري عند الأطفال يحدث بلا وعي منهم. فإذا استمر البالغ في تشغيل عضلة التعلم عن عمد، مع تسجيل النتائج عقليا وتطبيقها عمليا؛ فهو لا محالة مستفيد من ذلك الانشغال المفيد. و هو لا محالة منشغل عن التفكير في الأكدار. وهو لا محالة متلقٍ صعاب الحياة كمجرد خطأ لتجربة يمكن الاستفادة منه وتعديله بتعديل السلوك مستقبلا.
الانسياق ببساطة للصواب والتوجيه من سمات الطفولة التي نحتاجها بعد الكبر. فلا نحن كاملون معصومون من الخطأ. ولا نحن مسموح لنا بالخطأ وتكراره بنفس قدر السماح للأطفال. فمالنا إذن نكابر و نجحد الحق والصواب عندما ينبهنا الآخرون؟! إن الحياة مدرسة نتخرج فيها مع آخر الأنفاس. والمدرسة هي دار التقويم وتصحيح الأخطاء. والحياة مزرعة بقدر ما نحسن غرس بذورنا ورعايتها يكون عظم يوم الحصاد.
كانت هذه خواطر عابرة استقيتها من حياة الأطفال، ولعل طموحي قد زرع في عقلي هذا المشروع الساعي لترميم بناء السعادة والراحة والحياة الهادئة. فهل من مشارك معي في إعادة ترميم البناء؟!. وهل من مشارك في تلوين تلك اللوحة الطموحة تفاصيلها؟!