مقالات متنوعة

مقاصد القرآن

وعد وأوعد

مقاصد القرآن

يكتبه: محمد شبكة

القرآن وحي إلهي. نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله – محمد صلى الله عليه وسلم- ليكون للعالمين نذيرا وبشيرا. وعقيدتنا معشر المسلمين أنه الكتاب الجامع لأشتات الحكم ومتفرقات الأصول. وأنه فيه خلاصة الكتب السماوية السابقة. كما أنه جاء بالناموس الأعظم لكمال الحياتين الدنيوية والأخروية. وأنه جاء بطبيعتي الإنسان الجسدية والروحية. وكذلك نزل للعالمين أجمعين. كما روعيت فيه مصالحهم على قسطاس مستقيم. وقد ربيت على أسلوب هذا الكتاب أمة قبل بضعة قرون؛ فنالت به في مدى سنين قليلة ما لم يصل إليه غيرها في القرون العديدة. وكذلك بلغت من بسطتي العلم والملك ما لم يتهيأ لغيرها في مثل ذلك الزمن قصير الأمد.

وعد واوعد

لا جرم أن كتابنا هذا شأنه لا بد أن يكون راميا إلى مقاصد، ومتوخيا في تعاليمه دستورا. ولابد أن يكون قد وعد وأوعد، وبشر وأنذر، ورغب ونفر، وبنى وهدم، وقوى ووهن، ووصل وقطع، وسلك لكل ذلك مسالك خاصة أدته إلى المكانة التي بلغها في نفوس الآخذين به قديما وحديثا.
فما هو المقصد الأول الذي رمى إليه القرآن؟. ثم ما هي الأصول التي هدمها أو بناها؟. والأمور التي وهنها وقواها؟ وما هو ذلك الدستور الذي توخاه للوصول إلى ذلك؟.
القرآن كتاب لا كالكتب. لكذلك قد أحدث من التأثير ما لم يحدثه كتاب. فإن نظرت إلى نظمه وأسلوبه وديباجته، فهو نسيج وحده، ليس بالشعر المقفى ولا بالنثر المرسل ولا بالسجع المتكلف. القرآن نوع من الكلام لا ضريب له. حتى أن القارئ ليرى الآية القصيرة في الصحيفة الكبيرة فيميزها عن سائر الكلام بديباجتها الخاصة.
وإن شارفته من جهة ترتيبه وجدته مخالفا للكتب أيضا؛ فالمصطلح عليه في أمر الكتب أن يكون للكتاب مقدمة ومباحث متسلسلة ذات مقاصد محدودة في فصول ممدودة بينما القرآن الكريم ليس كذلك فهو آيات مجتمعة. آياته ذات مرام متنوعة، ومقاصد شتى. فبينما تتلو آية وعظ إذا أنت بآية جهاد، تليها آية فقه، تتبعها قصة رسول، وهكذا حتى عد هذا بعض مؤلفي الغرب مثل “دوزى” الهولاندي و”كارليل” الإنجليزي وغيرهما عيبًا، وغاب عنهم أن القرآن ليس بكتاب منشأ، أو بحث فيلسوف فيحسب عليه تعديه لقانون الكتابة البشرية. إن القرآن وحي إلهي نزل بحسب الحوادث على صدر رسول لا أثر له في تأليفه ولا دخل لقوته في وضعه. ولو كان هذا الكتاب على مثال الكتب الوضعية في الترتيب والتبويب لكان كتابًا وضعيًا والقرآن ليس كذلك. ولكان حظ القرآن مثل حظ كل الكتب، فيطالع مرة أو مرتين ثم يسأم، بينما القرآن  قد يطالع مئات المرات، ولا يزال يحلو مع تكراره حتى لا يكاد يسلوه تاليه طرفة عين. ولا يستطيع تاليه أن يزعم أن لا ترتيب فيه، بل يرى أن الترتيب مهما كان فسلطانه قاصر على الكلام البشري الذي يجل عند هذا الكلام الإلهي. كما يجل البحر عن أن يحد بما تحد به الجداول. وكما أن كمال البحر في أن يكون رهوًا متلاطم الأمواج، متقابل التيارات، فكذلك هذا الكلام العالي، كماله وجماله أن يتنزه عن قبول القيود. وأن يكون هو محيط معانٍ عالية لا تنتهي من المعاني إلى غاية، ولا تقف عند نهاية. إن واجهته واجهت إقيانوسًا معنويًا لا يشبه كلاما إنسانيًا، ولا يشاكل كتابًا وضعيًا. القرآن يفرق بين المرء وأهوائه، ويجمع بين القلب وشفائه، ويسري بين أطواء الفؤاد، وأحناء السرائر كما تسري الكهرباء بين ذرات المعادن. إن القرآن يفعل بالنفس فعلا لا يغني وصفي له عن أن تراه في نفسك.

الكتاب الكريم

هذا الكتاب الكريم نهج في تربية الإنسان مناهج يجب تمييزها جملة ثم مشارفتها تفصيلا، فقد خاطب العقل. وحاسب القرآن السرائر، وآخذ الضمائر، وأدب الحواس، وهذب الملكات، وعدل القوى، وقرر العقائد، ودعمها بما يناسب كل منها من براهين. كما حكى القرآن حال العالمين من حيث الدين. وأرى مواقع البطلان من معتقدات سائرها، وقاد الكتائب، ودوخ الممالك، ومصر الأمصار، وشيد المدينة الفاضلة، وسن الشرائع الكاملة، ووضع دستور الحكومة، وصب الأمة على قالبه المحكم.  كما وضع القرآن للمعاملات ناموسها، وشرع للبصيرة شرعتها، وركب للأفئدة علاجها، وخاطب كل نفس على قدر وسعها. حيث أتى بذلك كله منثورًا في السور على النحو الذي أراده الله عز وجل. حيث أن بعض القرآن يكمل بعضه الآخر ويوضحه. أو يرى وجه آخر منه ليتجلى للقارئ كنه المقصد السامي الذي أنزل القرآن من أجله فأصابه وهو تربية الإنسان تربية صحيحة وإبرازه أمام الوجود بشرا سويا حاصلا على كمال طبيعته الجسدية والروحية. وكذلك متمتعًا بجمال حالتيه الصورية والمعنوية وهو لأجل إبلاغ الإنسان هذه المكانة العليا عمليًا وفعليًا لم يتوجه إليها من قبيل النصائح المجردة والمواعظ العارية، بل حاولها من كل مظانها العملية بإدخال الإنسان في مقتضياتها وتوريطه في كل متعلقاتها وأسبابها، ليندفع الإنسان إليها إندفاعًا طبيعيًا حتى يكون في كماله الديني، سائرًا على منهاج كماله الجسمي. أي مسوقا بنواميس طبيعية لا يستطيع أن يتخلص من سلطانها.

مقاصد القرآن يكتبه: محمد شبكة
مقاصد القرآن يكتبه: محمد شبكة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي