علم نفسمقالات متنوعة
أخر الأخبار

تشويش مفهوم الإنجاز... دروس تربوية من ردود أفعالنا تجاه المنتخب

تشويش مفهوم الإنجاز… دروس تربوية من ردود أفعالنا تجاه المنتخب

بقلم د.عبير عاطف 

بين تقدير الجهد والمبالغة في الاحتفاء… رسائل تربوية يحملها الاحتفاء بالمنتخب.

بالفعل يستحق منتخبنا الوطني كل التقدير والاحترام على ما بذله من جهد، وما قدمه لاعبوه من وقت وتدريب والتزام من أجل تمثيل وطنهم.

فالرياضة ليست مجرد نتيجة نهائية، وإنما رحلة طويلة من الانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية. لكن هناك بُعد تربوى هام سيؤثر على الأجيال ليس جيلًا فقط بل أجيال هذه البلد.

من المهم أن نُعلّم أبناءنا احترام الجهد، وأن نُقدّر من حاول وسعى، حتى إذا لم تتحقق النتيجة التي كان يطمح إليها. وأن منهج التفكير أهم من نواتج التفكير.

أن ابذل جهد واجتهد حتى ولم لم أصل للهدف فالطفل الذي يجتهد في دراسته، أو يتدرب في رياضة، أو يحاول تطوير مهارة لديه، يحتاج أن يشعر أن محاولته محل تقدير.

لكن السؤال التربوي لا يتعلق بدعم المنتخب أو تقدير اللاعبين، وإنما يتعلق بالرسالة التي قد تصل إلى أبنائنا عندما يتحول الاحتفاء إلى مبالغة، وعندما يصبح تقدير الجهد مساويًا تمامًا لتحقيق الإنجاز.

ففي علم النفس التربوي، يحتاج الطفل إلى بناء مفهوم واقعي للنجاح؛ مفهوم يوازن بين تقدير المحاولة وبين فهم أهمية النتائج والتعلم من الأخطاء.

وعندما تختلط هذه المعاني، يحدث ما يمكن تسميته “تشويش مفهوم الإنجاز” حيث يصبح الطفل غير قادر على التمييز بين بذل الجهد وتحقيق الهدف.

وهنا تظهر عدة آثار تربوية محتملة:

• إضعاف ثقافة المراجعة والتطوير:

فالإنسان يتعلم ويتقدم عندما يستطيع أن يسأل: ماذا حدث؟ لماذا لم يتحقق الهدف؟ وما الذي يمكن تحسينه؟ أما إذا تحولت كل نتيجة إلى احتفال كامل ومبالغ فيه جدًا وتحفيز مادي ومعنوي، فقد تقل مساحة النقد البناء والتعلم من التجربة، ويضعف الدافع إلى البحث عن نقاط القوة والضعف.

• تطبيع المبالغة:

فالطفل يتعلم من النماذج التي يراها. وعندما تصبح ردود الأفعال دائمًا مبالغًا فيها، قد يعتاد أن كل محاولة تستحق نفس مستوى الاحتفاء، مما يؤثر على قدرته على تقييم المواقف بموضوعية، وعلى فهم الفرق بين المحاولة والإنجاز.

• الخلط بين الدعم والتقدير:

الدعم الصحي يعني أن نقف بجانب الشخص، ونحترم جهده، ونشجعه على الاستمرار. أما التقدير المرتبط بالإنجاز فيحتاج إلى معايير واضحة ونتائج محددة. فليس معنى أن نشجع من اجتهد أننا نتجاهل أهمية الوصول إلى الهدف.

وربما يأتي يوم تُعاتب فيه ابنك لأنه لم يحقق النتيجة التي كان يسعى إليها، فينظر إليك ويقول:

“لكن المنتخب لم يحقق الهدف أيضًا، ومع ذلك كرّمه الجميع واحتفلوا به!” هنا يشعر الطفل بازدواج فى القيم، فلا بد أن تكون الإجابة التربوية:

“نعم، نُكرّم المنتخب لأنه اجتهد وقدم ما يستطيع، ونُقدّر كل إنسان يبذل جهده ولكن كان يجب عدم المبالغة فى التكريم لقد حدث خطأ هناك فرق بين بذل الجهد وأن هذا الجهد يحقق الهدف.”

هنا نعلم أبناءنا في الوقت نفسه أن الحياة لا تقوم على المحاولة فقط، بل على التعلم المستمر والسعي لتحسين النتائج.

وتؤكد نظرية التعلم الاجتماعي لـ ألبرت باندورا أن الأطفال يكتسبون كثيرًا من قيمهم واتجاهاتهم من خلال ملاحظة سلوك الكبار.

كما تشير نظرية عقلية النمو لكارول دويك إلى أهمية النظر إلى الأخطاء والنتائج غير المكتملة باعتبارها فرصًا للتعلم والتطور، وليس باعتبارها نهاية الطريق.

وكان من الطبيعي والواجب أن نستقبل منتخبنا بما يستحق من تقدير واحترام، وأن نشكر اللاعبين على ما بذلوه من جهد وعطاء، فالدعم في أوقات الإخفاق قيمة مهمة تساعد على تجاوز الصعوبات.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول مشاعر الدعم إلى مبالغة في الاحتفاء الإعلامي والجماهيري، وكأن الإنجاز الأكبر قد تحقق، رغم أن الهدف الأساسي لم يُنجز.

فمثل هذه الرسائل قد تحمل أثرًا نفسيًا وتربويًا غير مقصود؛ لأنها قد تُضعف الشعور بالحاجة إلى المراجعة والتطوير، وتُربك العلاقة بين الجهد والنتيجة.

وليس هذا حكمًا على نوايا اللاعبين أو قدراتهم، وإنما قراءة لما قد يحدث عندما يشعر الإنسان بأنه حصل على أعلى درجات التقدير رغم عدم الوصول إلى الهدف. فالتحفيز الحقيقي لا يكون فقط بالتصفيق، وإنما أيضًا بوجود دافع مستمر للتعلم والتحسين.

وقد تظهر نتائج هذه الرسائل لاحقًا، فعندما تعود المنافسة من جديد بعد سنوات. سوف نجد هؤلاء اللاعبين بروح مختلفه تماما نخشى من نتائجها السلبية، لن يكون السؤال فقط: هل يمتلك اللاعبون الموهبة؟ بل أيضًا: هل حافظوا على ثقافة التطوير والسعي المستمر؟

لأن الإنجازات الكبرى لا تُبنى على الاحتفاء بما تحقق فقط، وإنما على الرغبة الدائمة في الوصول إلى ما لم يتحقق بعد.

فالتكريم الحقيقي ليس أن نجعل الإنسان يشعر بأنه وصل إلى القمة، وإنما أن نساعده على امتلاك الدافع ليواصل الصعود.

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي