أدبي
أخر الأخبار

ذات الرداء القرمزي

ذات الرداء القرمزي

دعاء زيان

قصة قصيرة

أعترف بأني لم أكن منهم ، شابا عاديا مهذبا، على الرغم من سن المراهقة الطائش الذي ما زلت به،

لم اخترق خصوصية من حولي

ولم أتلصص علي جار

أو أختلس النظر من وراء شيش

آل أن ما حدث صباح السبت الفائت ما جعلني كذلك

ذلك اليوم الحزين الذي سقطت به من الشرفة وأنا أدق مسمار في منتصف الحائط

لتعلق عليه أمي بعض أغراضها التي لا تريد أن تظهرها للعيان، سقطت من الطابق الثاني

وحمد لله سقطت علي اللافتة التي يضعها السوبر ماركت أسفل منزلنا المتواضع بالحي الصغير

فأصابني بعض من الكسور والكدمات البالغة الضرر، لولاها تلك اللافتة ربما كنت الآن بين الملكين أحاسب .

بعد إصابتي تغير كل شيء، عقلي في جموح يعمل بسرعة مكوكية، يدقق ،يحلل كل ما يراه

ربما لأن باقي جسدي في حالة تعطل.

تشائمت أمي من المنزل خصوصا إني الذكر الوحيد “ديك البرابر” علي خمس فتيات كلهن تزوجن وتركنني معها لتهدهدني كما الصغار

قررت أن تستأجر شقة مفروشة في حي راقي حتي لو كان ذلك علي حساب دخلنا المتواضع

استنكر أبي عارض، دار جدال، إلّا إنه ردخ لرغبتها حتي فقط يتم شفائي.

هجرنا الحي ، سكنا عقارا فخما، ذو بوابة حديدية كبيرة،حارس العقار و أسانسير ليسهل حركتي

وأنا علي الكرسي المتحرك ، المكان يوحي بالفخامة، سقف عال، أشكال بالإسمنت الأبيض البارز علي السقف ورق حائط مزركش بالزهور الملونة علي الجدران.

خصصوا لي حجرة كبيرة لاستقبال أصدقائي ، بها شرفة ضخمة ،يسكوها نباتات الجارونيا والجازانيا وأصائص زرع لزهرة الياسمين والصبار

بها عدة مقاعد ومنضدة مستديرة من خشب الزان المدهون باللون البني.عند الرابعة فجرا ، هتك ستار الليل صراخا مفزعا، تسلسل الصوت من الشرفة المقابلة انتفضت من موضعي

لا أقدر علي الحراك من فراشي، الصوت لسيدة، صرختها بإسم شخص يدعى نبيل، الصراخ يزيد ، تحول لعويل ،الجميع نيام ،زادت حدته، لم تتوقف لربع ساعة

ارتفع صوت أذان الفجر ، عاد السكون ،استيقظ والدي للصلاة.

دخلت أمي لتتفقدني، أخبرتها بما حدث ، ظهر عليها الغضب،

أشاحت بوجهها عني قالت بصوت حانق وهي تنظر للشرفة:-

دع الخلق للخالق

ولكني أردفت:- إنها سيدة

ربما تحتاج المساعدةردت بكلمتين: وربما لا.

كان رد أمي صادما

فقد كانت دائما من المعاونين لأصحاب الحاجات، فلماذا الآن أصابها ذلك التغير المفاجىء

ربما تخاف أن يكون الصارخ جنيه وليست من بني الإنسان ؟؟؟؟

لعلها كذلك استسلمت للنوم بصعوبة فالأمرشغل حيزا كبيرا من تفكيري،

وذلك قررت أن لا أذهب للفراش في اليوم الثاني إلّا بعد صلاة الفجر وانتظر بالشرفة حتي أتأكد من ما سمعت.

مر اليوم كالسلحفاة البرية العجوز، العقارب كانت تتخايل وتتعمد إغاظتي

حتي جاءت الرابعة وبدأ الصراخ مهيبا، رأيت خيالا في المنزل المقابل

ستار الشرفة يتحرك بفعل الهواء، ورأيتها أخيرا، سيدة في العقد السادس ، تهرول بسرعة جنونية لا تتناسب مع عمرها،

ذهابا وعودة صارخةتسقط وتقوم،

كأن عفريت من الجن يلاحقها و يجذبها من ملابسها ويطيحها يمنه ويسرى، أذن الفجر ،عاد السكون مثل المرة السابقة.

وبختني أمي في الصباح علي تمضية الليلة في الهواء الطلق

زاد الطين بلة عندما أخبرتها بما رأيت قالت بلهجة حادة:- ربما تكون من سكان الليل

أصمت ولا تتدخل فيما لا يعينك.أخبرتها بأن ضوء منزلها مضاء وأنها تبدو أدمية وتحتاج المساعدة ولكنها رفضت الإصغاء

وهددتني بترك الشقة إن عاودت فعل ذلك.

مر أسبوعين، الأحداث تتكرر، اليوم يعيد نفسه، السيدة الصارخة لا تتوقف، وأنا أتابع خلسة والألم يعتصر أوصالي

تماثلت لجزء من الشفاء ، بدأت الحركة البسيطة، كالاتكاء علي عصا ومحاولة الوقوف.

اليوم رأيتها أمامي في وضح النهار ، سيدة يبدو علي وجهها علامات الزمن، عندما رأتني دخلت مهرولة

صكت في وجهى باب الشرفة.

في اليوم التالي رأيتها تدلف لمنزلها ،ترتدي زيا قرمزي اللون، يشبه ملابس الحقبة المنتهية من القرن الماضي.

مر أسبوعين آخرين،تم شفائي وعدنا إلي حيينا المتواضع ، مرت الشهور إلّا أن لغز السيدة ما زال عاليا برأسي

قررت العودة والتقصى عن الأمر .

ذهبت لبواب عمارتنا عم ناصف، متعللا بأني افتقدته وافتقدت المكان

فتحت حوارا طويلا معه حتي وصلنا للسيدة العجوز التي تشغل فكري

تنهد وقال أم نبيل،طأطأ رأسه، مسح دمعه قبل سقوطها من عينيه وقال:-

رحمها الله انطلقت الكلمة من فمي كالطلقة:- ماتتأردف والحزن ينحدر من كلماته

من شهر ولم يعلم أحد بموتها حتي خرجت الرائحة واضحة تخترق الأنوف.

ثارت ثائرتي ، مئات الأسئلة قذفتها في وجهه، إلّا إنه قال وهو ينهنه كمن فقد والديه توا:-

رحمك الله يا أم محمود، بغضك الجميع لشيء ليس لك عليه سلطان تعجبت لقوله ، طلبت الإيضاح أكمل:-

منذ عام توفي نبيل ولدها الوحيد المقعد في المنزل، جاءته احدى نوبات المرض في جنح الليل

لم تستطع التصرف، ظلت تصرخ وتهرول مستنجدة بكل من حولها

إلّا أن العقار ليس به إلّا طابقين لأسرة واحدة ولحظها العثر كان خال تماما من السكان لسفرهم، قابل نبيل ربه

هلكت هي الاخري رغم بقاءها حية، نفر منها القريب والغريب،

أغلقت الأبواب في وجهها ، القلوب تحجرت رفضت المساعدة

كلنا حاولنا أن نجد من يكون لها عونا ولكن هيهات ،عندما كفت عن الصراخ ، استراح الجميع

قالوا لعلها فرت هاربة ، أو توقفت عن الإزعاج المقيت بإرادتها الحرة، إلّا أنها توقفت مرغمة مثقلة بما تحمل.

عدت و الخيبة تلاحقني وتمنيت لو عاد العقرب اللعين للوراء

واندفعت نحو السيدة العجوز ومددت لها يد العون التي تحتاج.

 

ذات الرداء القرمزي
ذات الرداء القرمزي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي