اكتظت الغرفة رقم مائتين وثمانية بمجموعة الأطباء والممرضات المتابعين لحالة ليلى، وعلى رأسهم الدكتور منصور الذي قام بتوجيه حديثه مباشرةً إلى ليلى وهو ينظر من حين إلى آخر إلى كمال، وبعد جرعة طمأنة معتادة بدأ المكاشفة بكل تفاصيل الموقف قاذفًا ببعض المصطلحات الطبية عمدًا، وبعض الملاطفات النفسية التي قد تهون من وقع كلماته الواضحة.
بدأ يشرح المرحلة السابقة من فحص بدني ثم انتقل إلى صورة الرنين والتصوير المغناطيسي للدماغ والفحوصات التي تمت على السائل الشوكي، وأنه لم يتبق إلا أخذ عينة من نسيج الورم للفحص المخبري عن طريق عملية بسيطة.
حديث مُقبِض خيمت بعده سحابة من الغَم على أجواء الغرفة وعلى الحاضرين جميعهم، على الرغم من أن الكل كان ما بين من يعرف تمامًا ومن بدأ يتوقع، إلا أنها روح ليلى الطيبة التي أثرت على الجميع منذ أول لحظة وصلت فيها إلى الغرفة.
هكذا كان اللقاء الجماعي ثم انطلق الدكتور منصور فى إعطاء بروتوكولات العمل للمرحلة القادمة، ثم تقدم نحو سرير ليلى التي كانت متماسكة تمامًا رغم فهمها للموقف، وظل يقترب منها حتى أضحى أمامها تمامًا ثم قال هامسًا:
– لا تخافي فكل شئ سيسير في مجراه، كما أن الأمل كبيرًا فى الشفاء.
– أشكرك يا دكتور، فأنا لست خائفة على الإطلاق،أنا فقط مرهقة لكن الحمد لله على كل شئ، فكل أمر المؤمن خير، إن أصابته مصيبة صبر وكان خيرًا له، وإن أصابه خيرٌ حَمَدَ وشَكر، فالحمد لله.
كلمات كانت تدخل فى صميم غروره الذاتي تضربه بعنف فى رفضه وعدم تقبله لكل ما هو متعلق بالدين، لا شك إنه لم يتوقع منها هذا الثبات، خاصة فى هذه اللحظة، وما كان اقترابه منها إلا تحسبًا لانفعالها ومواساتها في حال ما انهارت، كما يفعل غالبية المرضى عند المكاشفة، أما ليلى فقد بدت فى حالة من الثبات والرضا بقضاء الله، مما أربك الدكتور منصور والذي استدار على الفور وبدأ يوزع الأدوار على فريق العمل ثم عاود النظر إليها قائلًا:
– سيدتي نحن هنا قد أتممنا كل الفحوصات الأولية والكشوفات وأعتقد إنه من المناسب أن نتركك تعودين إلى بيتك وأسرتك حتى يوم العملية. فى الحقيقة هي ليست عملية بمعني الكلمة، فقط سوف نقوم بأخذ عينة من الورم لدراستها وبناء العلاج على أساسها، ولن يستغرق هذا وقتًا طويلًا، بعدها ستعودين إلى بيتك.
لكن قبل خروجك لديك لقاء مع الدكتور رشاد، أما الدكتور علي فسيكون متابعًا معك هو والدكتورة آمال حتى موعد أخذ العينة، وبعدها نقرر جرعات العلاج.
بصوت بدأ فى التراجع وبدا عليه الإرهاق أجابت ليلى:
– إن شاء الله خير، الحمد لله أنا أشتاق إلى رؤية البنات وكل ركن فى البيت أشتاق إليه!
واغرورقت عيناها بالدموع كأنها تغسل أحزانها وتريح نفسها الحائرة، هنا تقدم إليها كمال واحتضنها حتى بدأ فريق الأطباء والممرضين بالخروج واحدًا تلو الآخر، حتى خلا لهما المكانمعًا، وأدرك كمال أن ما يمر به ليس ضربًا من الخيال أو رواية سينمائية يراها عبر شاشات التلفاز أو كابوسًا مزعجًا وحتمًاسيستيقظ منه،لا شئ من هذا القبيل إنما هو واقعٌ يعيشه وعليه مواجهته بجرأة وقوة وإيمان.
خرج الدكتور منصور واجمًا من الغرفة وهو يفكر وعقله لا يصدق ولا يستوعب هذا الثبات الذي تلقت به مريضته خبر الإصابة بالسرطان، بل وتجرأت أن تكرر أكثر من مرة كلماتها التي تظهر إيمانًا راسخًا فى قلبها وكأنه يقول فى نفسه:
– من أين جاءت بهذه الثقة الوجودية؟ هذه الحمقاء!
نعم،نعلم بلا شك أن بعض الإيمانيات تساعد فى العلاج ونقبله، ولكن!
ثم ينصرف إلى نكرانه وعدم قدرته على مناقشة أية أفكار إيمانية حتى مع نفسه.
أصبح إيمانها عقدته طيلة يومه،كما أنها شغلته كثيرًا بهذا النور الرباني الذي كان يشع من وجهها، رغم مرضها الثقيل الذي يرعب العالم بأكمله، بل ويتسبب وحده في أعلى نسبة من الوفيات اليومية.
ثم يوجه الحديث لنفسه قائلًا:
– يالها من امرأة غريبة!من أين لها بهذا اليقين؟
اصطحبت الممرضة المختصة بالغرفة مائتين وثمانية نَزيلتها المفضلة ليلى إلى العيادة الداخلية، حيث كان ينتظرها هناك الدكتور رشاد مرة أخرى، وهو اللقاء التقليدي الذي يقوم به الطبيب النفسي في محاولة لرفع معنويات المريض بعد مُكاشفته بماهية المرض ومدى خطورته.
تركت الممرضة ليلى داخل الأستوديو مع الدكتور رشاد وانسحبت إلى الخارج، وهي تمسح دمعة نزلت عنوة على وجنتها.
أما هو فقد استقبلها بابتسامة عريضة فهو سعيد بها وبرسوخها وتحملها مرضها بصدر رحب، كما لاحظ أن إيمانها قد ترك أثرًا فى الدكتور منصور صديقه الذي طالما كان ندًا له في جدالات شبه يومية حول الإيمان، والأدلة العلمية التي يتوخى أن يدركها العاملون فى المجال الطبي قبل غيرهم عن وجودية الله، وكأن ليلى ببساطتها وطبيعتها واستسلامها الإيماني لله، قد جعلته يكسب شوطًا مهمًا فى نقاشاته مع الدكتور منصور.
ثم بادرها:
– أراكِ فى حالة جيدة اليوم تحسنت كثيرًا عن اللقاء الماضي والحمد لله.
– ونعم بالله، فعلًا، لا بد أن فرحتي بعودتي إلى بيتي تركت آثارًا على نفسي، هذا مؤكد.
– نعم نعم هذا شئ جميل، ومن المؤكد أن يكون مساعدًا بإذن الله.
ثم انطلق معها فى حوارات شتى بعيدًا عن الأمراض بالمستشفى، وكلها أحاديث مفتعلة ترفع الروح المعنوية للمريض، ولأنه كان رجلًا ملتزمًا فقد امتلأت كلماته ببعض الأحاديث والآيات من القرآن والسنة يعضد بها كلامه معها.
لكنه وجدها أكثر صبرًا وإيمانًا مما كان يتوقع، بل شعر فى بعض الأحيان إنه هو الذي يتلقى الدرس وليست هي، فاطمأنَّ قَلبه وظهرت على وجهيهما البشاشة.