أدبيمقالات متنوعة

قراءة في المجموعة القصصية (قهوة على الريحة) للكاتب سمير الفيل

قراءة في المجموعة القصصية (قهوة على الريحة) للكاتب الكبير سمير الفيل

بقلم: الكاتب والناقد زكريا صبح

خير السرد أبسطه، وأجمل القص أوقعه؛ كنت  فى حيرة كيف أبدأ المقال الذي فكرت فى كتابته كثيرًا وراجعت نفسي مرارًا بعد أن انتهيت من قراءة المجموعة القصصية قهوة على الريحة، ومبعث  الحيرة كانت فى البحث عن مدخل وأسلوب يناسب السرد الذي  قدمه الكاتب، ومبعث مراجعة النفس كانت لإعادة استحضار الأبطال الذين حظوا برصد الكاتب.

يقول الكاتب فى  ص73 (هناك أمر لم أكن لأكتبه، لأنَّني كموثق لأفعال الرجل لا يمكنني لومه أو عتابه)؛
جملة جاءت على لسان الراوي فى قصة (في قلم الحسابات)، لكنها تصلح لأن تكون دليلًا ومرشدًا لمنهج الكاتب فى كتابته؛ على الأقل فى هذه المجموعة، إذًا الرصد بعين الكاتب التى تفوق عين الكاميرا حساسية ووضوحًا هو الملمح العام لهذه المجموعة وربما ارتبط بهذا الحكم العام سؤال يطرأ على ذهن قارئ المقال وهو: رصد من؟
هنا سأدع الكاتب يرد بنفسه وليس من خلال راويه العليم أو المشارك، يقول الكاتب في إهدائه المجموعة: إلى المظلومين فوق سطح الأرض، إلى المغبونين بعد أن دهستهم قوى الظلام، إلى من قدموا أرواحهم من أجل انتشار النور.

ويقول مستكملًا إهدائه: حين  أجلس على المقهى أذكر حكاياتهم بقدر من الأسى، لنقص عليكم بعض الأقاصيص من سيرهم، فقد مضوا فى غبش الفجر وهم يدعون الله أن ينصرهم ويأخذ بأيديهم.

إلى هنا انتهى الإهداء الذي أجابَ على سؤال أراه في عيون قراء المقال: من أي مكان يكون الرصد؟
أجابكم الكاتب قبل قليل: من المقهى حين يجلس، وفي الإهداء أيضًا انتصر لدور الكاتب بشكلٍ عام حيث  قال؛ إنَّ دور الكاتب رصد المظلومين وذكر أخبارهم والتأثر لأجلهم ثم قص حكاياتهم تخليدًا لهم بعد أن عاشوا فى الظل مظلومين مغبونين.

ربما بدت المقدمة طويلة إلى حد ما، ولكنني قصدت منها أن تصل الرسالة إلى الذين يفقدون بوصلة الكتابة وتتردد فى ضمائرهم أسئلة من قبيل: لماذا نكتب ؟ ولمن نكتب ؟ وماذا عساها تكون  نتيجة الكتابة ؟
والسؤال الأخير يجيب عنه الكاتب بلسان حاله لا بلسان مقاله حين نعلم من سيرته الذاتية كم الجوائز التي حصل عليها في مسيرته الأدبية، وهنا لن يفوتنى القول: إنَّ الإغراق فى المحلية ورصد  العالم المحيط بالكاتب والتعبير عن أهله، هو الطريق إلى العالمية  وحصد الجوائز، هل  استحضرت ذاكرتكم  نجيب محفوظ؟
أعودُ إلىٰ ما بدأت به المقال ملخصًا حيث قلت: خير السرد أبسطه وخير القص أوقعه.

هذا ما وقرَ في ضميري بعد القراءة الثانية للمجموعة مستحضرًا  فلسفة الرصد عند الكاتب، ومتأملًا للشخصيات سيئة الحظ فى الحياة سعيدة الحظ بالكتابة عنها.
وتبدو البساطة واضحة في أمرينِ على الأقل؛ الأول فى النماذح  البسيطة التي يكادالكاتب يتعثر بها في طريقه وفي مقهاه وفي بيته وفى محيط العمل، والأمر الثاني الذي تبدو البساطة واضحة من خلاله، هو اللغة وأسلوب السرد السلس الذي خلا من المناورة  واختبار ذكاء القارئ، وكذا خلت اللغة من التقعر واختبار القاموس اللغوى للقارئ، وليس كل كاتب قادر على الكتابة بأسلوب السهل الممتنع كما نقول، ولا يقوى على ذلك إلا من وثق في أدواته من لغة وتكثيف ووضوح رؤية وهم  يحمله ويؤرقه وشخوص تطارد الكاتب وتظل به حتى يكتبها مخلدًا إيَّاها في قصصه.

وأظن أنَّ الأستاذ سمير الفيل كان مدهشًا فى ذلك، فكأني أرى  الناس أمامي وكأني أسمع حواراتهم وأعيشُ مشكلاتهم، كان مدهشا فى التقاط  اللحظات المشحونة بالحزن المتفجرة بالصراع، ومخاطبة إنسانية الإنسان فى كل مكان؛ فمن منا لا يتعاطف مع ذلك الشاب الذي أرهقه السفر واتعبته الحياة  ثم بعد ذلك يقع ضحية لتسلط القوى الأمنية التي تتعسف دائمًا في تعاملها مع البسطاء لتجعل منهم مغبونين ومظلومين، من منا لا يتعاطف مع هذا الشاب الذى وجد نفسه متهمًا بقتل شخص لم يقتله فما كان منه إلا أن طعن قاهره والمستبد به في إشارة إلى رسالة مهمة  مفادها: ليس من نتيجة بعد الضغط إلَّا الانفجار.

ثماني عشرة قصة  تنوعت فيها اللقطات وزواياها والشخصيات وأحوالها مابين رجال ونساء، كان للنساء فى هذه المجموعة نصيب السد؛ إذ ظهرت المرأة كبطلة كثير من هذه القصص ظهورًا مثيرًا للحزن والشفقة والشجن؛ فمعظم نساء المجموعة تعيسات حزانى يبحثن عن الحب تارة وعن الأمان تارة وعن التحقق تارة ثالثة ، انظر معي إلى قصص مثل (الحولاء) التي رصدت امرأة أو بالأحرىٰ فتاة وقعت ضحية طلاق أمها وضحية تسلط زوجة أبيها  واستبداد ابن عمها، وكذا قصة (زهور أوركيدا بيضاء) حيث عالجت قضية العنوسة وتقدم سن الفتاة رفضها كثير من العرسان،
وبعدها مباشرة قصة (البدلة السابعة) تعالج قضية المرأة التي تزوج عليها زوجها.

ومن القصص التي تصدرت فيها النساء دور البطولة  قصة (النقطة الحرجة وذلك الحائط ونافذتان وارتجاف الماء والبدلة الحمراء ونصف إلى وخارج الدائرة )
وهي إجمالًا قصص تناولت المرأة فى حالات كثيرة  وفى بعض هذه القصص قد يبدو الرجل فى الصدارة ولكن المحرك الرئيسي في أحداث القصص دائمًا يكون المرأة.

أسمع أحدكم يقول وما الجديد الذي يمكن أن يقدمه الكاتب وهو يناقش قضايا مكررة ومعادة، هنا أقول: لابد من قراءة القصص حتى ترى الزاوية التي تناول من خلالها الكاتب قضيته وتقف في الشرفة التي أطل منها الكاتب راصدًا لأحداثها، عندئذٍ ستجد المتعة فى أسلوب السرد واللغة المنسابة والمفارقات المدهشة والنهايات غير المفتعلة.

فإذا ما تحدثنا عن القصص التى تناولت الرجل وجدناها قليلة وقد ظهر فيها الرجل مغبونًا حينًا مثل قهوة على الريحة متنافسًا على المرأة حينًا، مثل قصة النقطة الحرجة وأيضًا قصة خارج الدائرة
والرجل فى القصص التى كان بطلها إما راقدًا في المستشفيات بين الموت والحياة مثل قصة حظوظ قليلة وصندوق من روما وفى قلم الحسابات، وإمَّا ميتًا أو مقتولًا مثل قصة البدلة السابعة والبدلة الحمراء ونصف آلي.

وليس ثمة شك في أنَّ هذه النماذج هي من الواقع الذى نعيشه، ولكن الكاتب بقلمه استطاع رسم لوحات سردية  تضج بالحياة والحركة.

والحركة في السرد هي أبرز سماته في هذه المجموعة، إذ استعاضَ الكاتب بالتصوير عن التقرير والأخبار، فبرع في رسم الصورة وأجادَ في إدارة الحركة داخل النص، فبدا طازجًا معاشًا  كأننا نشارك الأبطال مصائرهم، جاءت المجموعة موزعة بين راويين أحدهما مشاركًا متكلمًا بضمير الأنا ناقلًا الأحداث بصوته، والآخر  كان عليمًا راصدًا ناقلًا الأحداث عبر كاميرا تتابع الأبطال من قريب تارة ومن بعيد تارةً أخرى، مثل (قصة نافذتان)؛ حيث تتبعت الكاميرا البطلين من خلف الحوائط وعبر الخصاص والنوافذ.
تميزت المجموعة باستخدامها للفعل المضارع الذي أضافَ للتصوير حركة وحيوية جعلت القارئ في تفاعل دائم مع القاص وتفاعلًا كبيرًا مع الأبطال.

لم يشأ الكاتب أن يرهق قارئه بكثرة التفاصيل أو طول التمهيد، بل  كان ينتقل بالقارئ مباشرةً إلى قلب الأحداث من الكلمة الأولىٰ ولا أقول من الجملة الأولى، انظر معي إلى هذه البدايات!!
هدتها، كنس ومسح وتنظيف
تقدم لها عشرات العرسان
قابلت الأستاذ فؤاد
تمكن المرض من ريم
وهكذا تبدأ القصص بدون مقدمات أو تمهيد،
ظهرت حرفية الكاتب ودربته وخبرته في اختيار العناوين التي جاءت غير مباشرة ولا كاشفة عن مضمون الحكاية.
ربما كان لافتًا للنظر استخدام الكاتب لتقنية الفلاش باك بحرفية شديدة، حتى أنَّ قصة من القصص لم تخلو من استخدامه إياها،
عود على بدء لنؤكد من جديد أن خير السرد أبسطه وأجمل القص  أوقعه وأروع الأثر أبقاه في نفوس قرائه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي