– تزينتُ لهذا اللقاء كأنني ذاهبةً إلى عرس، ولم يكن معي أبي في هذا اليوم فقد بدأ المرض يشتد عليه، دخلت المكان وأنا أنظر حولي في كل الأركان، وكانت هذه أول زيارة لي لدار نشر، لفت انتباهي هذا الكم الكبير من الكتب المصفوفة في كل مكان لا تكاد ترى ركنًا يخلو من رزم الكتب وأغلفتها الجميلة.
شعرت بأنني في مكاني الطبيعي، هنا يجب أن أحيا وسط هذا الكم من الثقافة،عرفت نفسي لأحد المساعدين الذي رحب بي وأخذني إلى غرفة المدير وطرق عليه بابه فأجاب:
– أدخل.
فدخلت وتوقف هو خارج الغرفة.
ما أن التقت عيوننا إلا وشعرت وكأني أعرفه منذ سنوات طويلة وارتحت كثيرًا إليه وإلى أسلوبه وحديثه الشيق، وقد كان شعورنا متبادلًا حتى أنه جلس يسألني أين عشت طيلة هذه السنوات علَّهُ يجد مكانًا نكون قد التقينا فيه سابقًا، لكن هذا لم يحدث أبدًا وكل ما حدث هو أنه قد تعانقت روحانا منذ اللحظةِ الأولى.
لا تسأليني عن بقية القصة فقد مضى كل شئ بسرعة البرق، ولم يمض من الزمن سوى عام وقد تزوجني كمال، أما الرواية فلازالت هناك تقبع فى درج مكتبه.
بعدها أنجبت فتاة حبنا الأولى ريم التي جاءت إلى الدنيا قبل أن يتوفى أبي بقليل، فأسعده رؤيتها قبل رحيله الذي عرفه وكان فى انتظاره.
أشكر الله على حياتي الجميلة مع كمال وبناتي الثلاثة، ولا أذكر يومًا اختلفنا فيه على شئ ذي قيمة، وما كان بيننا أبدًا من مشكلة إلا وتتبخر فى دقائق معدودة، ولا أدري إن كنت أنا المبادرة بمصالحته أم هو، في الحقيقة لم نكن نستطيع أن يطول صمتنا لأكثر من دقائق، كنا شيئًا واحدًا لا يتجزأ، بالمودة والرحمة عبرنا كل هذه السنوات حتى جاءت تلك الليلة التي كنت أنت بطلتها يا آمال!
فى خلال هذه الرحلة رزقنا الله البنات الثلاث، وكل منهن إضافةإلى الوئام والحب بين جدران هذا البيت، وعشنا بالحب والاحترام أسرة واحدة، وكنت أحرص على أن أربي بناتي كما نشأت على البساطة والأخلاق الكريمة وحفظ القرآن والقرب من الله عز وجل.
توقفت ليلى عن الكلام وبدت عليها ملامح التأثر بما روت ثم التفتت إلى آمال قائلة:
– لماذا أروي لك كل هذه الروايات؟
– لا أدري ياليلى ربما النيل ونسمة الهواء الجميلة أعادت إليك ذكرى الأيام الخوالي، لكني سعدت جدًا أن تبوحي لي بها حقًا إنه لشرف لي.
– نعم لا شك أن النيل الساحر ونسمة الهواء لهماتأثيرهما فى نسج الخيال، ولكن هذا هو الواقعالذي عشته وأحبه، وأريد أن أحافظ عليه بطريقة ما!
– إن شاء الله حبيبتي تتعافين وتعودين كما كنت وأحسن وينزاح هذا الشبح.
– الحقيقة يا آمال أنا أفكر منذ أن عرفت بمرضي ورضيت بما قسمه الله لي منذ هذا الوقت، وكل مايشغلني هو كمال والبنات، وأعلم أن الله لطيف بالعباد.
– ونعم بالله.
– لقد استخرت الله، وسجدت له كثيرًا وكثيرًا كي يلهمني كيف أتصرف، ثم جاءني خاطرٌأردت أن أبوح لك به؛ فوجودك منذ بداية مرضي جعلك جزءً من حياتنا.
– أنا؟! خير حبيبتي أنا لا أقوم إلا بواجبي، وأنا معك إن شاء الله أعمل كل ما أستطيع، لكنني على يقين أن الله سيساعدك وستمر الأزمة وأنت بكل صراحة تستحقين كل خير.
– أشكرك يا آمال كلامك يساعدني على ما عزمت أن أقوله لك.
– خير إن شاء الله خير.
– لقد قرأت كثيرًا عنه منذ أصابني وبكل صراحة قد تعجبت كثيرًا لما قرأت، فمثلًا هناك كاتبة تروي فى رواية “كلهن أنا” عن سيدة أصابتها المايلوما، وهو أحد أنواع السرطان، وتروي أنه منذ أن أصابتها بدأت تلاحظ تغيرًا في علاقات المقربين منها معها فرصدت هذا فى كتاب، وتعجبت أن أول من أعطى لها ظهره كانوا هم أقرب الناس إليها زوجها بل وابنتها وابنها أيضًا، وتشرح فى كتابها كيف أحست بطلة القصة بالوحدة الشديدة، رغم كثرة من حولها على عكس ما يحدث معي تمامًا كما أن هناك دراسة طويلة أظهرت كيف أن كثيرًا جدًا ممن أصبن بسرطان الثدي مثلًا لم تكن معاناتهن هي المرض، بل الزوج، و كيف تركها وحدها، وقصص كثيرة على هذا المنوال.
أما أنا فقد رزقني الله بفضله حب زوجي وبناتي ووجودك عن قرب فى خضم المعركة،ولم يتركني أيٌّ منكموحدي للحظة، وبين ما قرأت من قصص سلبية وما عشت بنفسي مع من حولي وهم يتركون حياتهم الخاصة والعملية ليتمكنوا من الوقوف بجواري فى مرضي، إنه الوفاء يا صديقتي!
ثم استندت على الكرسي تستنشق الهواء النقي وتلتقط أنفاسها ثم ابتسمت فى استبشار ملحوظ وقالت:
– من لا يشكر الناس لا يشكر الله حبيبتي.إن أجمل شئ فى هذا الوجود هو العرفان بالجميل والقدرة على العطاء بالمثل وزيادة.
– أبدًا يا ليلي صحيح أن هناك قصصًا كثيرة سلبية فى الإطار المحيط بالمريض، لكن الأغلبية ليسوا كذلك.
– ربما، لكن على أية حال أجمل قصة قرأتها في إحدى الجرائد وأعجبتني هي قصة تلك المرأة التي أثارت حولها الكثير من الجدل فقد فاجأت مواطنة سعودية تعمل مديرة مدرسة زوجها وقررت أن تدخل السرور في قلبه مكافأة على وقوفه بجوارها وأرادت أن تفعل ذلك بطريقة مختلفة، ثم بحثت واختارت له زوجة ثانية تقديرًا ووفاءً له على مواقفه النبيلة تجاهها.
وقالت الجريدة في تفاصيل الواقعة، إن الزوجة طلبت من زوجها السفر معها إلى مدينة أخرى لزيارة شقيقها الذي تعرض لحادث، وفي منتصف الطريق أخبرته بأنها اختارت له عروسًا من هناك، وتريد منه مقابلة أهلها من أجل الاتفاق على الزواج منها.
الجميل هو أنها قررت دفع تكاليف الزواج، بل وحجزت لهما فى أحد الفنادق لقضاء شهر العسل.
ثم توقفت عن الحديث وهي تضحك، وبدا السرور على وجهها الرقيق،ولم تتوقف عن الضحك حتى عادت لتقول:
– أذكر أنني رأيت فيلمًا من بضع سنوات قصته تشبه كثيرًا هذه المرأة السعودية.
ثم عاودت الضحك مرة أخرى.
أما آمال فقد بدا عليها الحرج ولم تدرك ماذا تريد ليلى أن تقول، وبدأت تحدث نفسها، ربما لاحظت شيئًا بيني وبين كمال، وإلا ماذا تريد أن تقول.
ثم فاجأتها ليلى مرة أخرى وأطلقت صاروخًا موجهًا أصاب الهدف: