أدبيمقالات متنوعة

الثانية فجرًا “الثانية بعد منتصف الليل”

الثانية فجرًا

“الثانية بعد منتصف الليل”

بقلم: منى أحمد إبراهيم

الثانية بعد منتصف الليل …
أوشك الفجر على البزوغ ومازال ظلام الليل حالك … أمسكت ورقي وقلمي وبدأت بتدوين رسالتي إليك … بدأت سطري بوردتي وردية اللون التي تحلق بين قلبين أبيضين … شعار بات يرمز لاسمي … لحرفي … لقلمي … لما يحويه قلبي … شعار لي أنا …

سال مني مداد القلم أنهارًا تحيل جفاف الصفحات حروفًا وكلماتٍ تزهر بذكر اسمك … وكلما أردت أن أضع لك في نهاية السطر نقطة … جاءت معها تلك النبضة لتعيد الروح لأحرفي مرة أخرى فأغزو سطر تلو الآخر دون انقطاع …

جمعت الكثير من ذكرياتٍ بلا مشاهد … سطرتها على جدران أوراقي … وجلست على طرف شرفتي أرتشف فنجان قهوتك البارد … وأنا أراك أمامي على كرسيك الخالي … تحلق في اللاشئ … وأنظر بكل حبي إليك … وحولنا ذلك العالم يعج بفراغ تملؤه أنت …

إنها الثانية بعد منتصف الليل …
ليلٍ خلا منك … آهٍ منك يا ليل …
كم أنت خائن …
أنتظرك بلهفة طفلة لوصول نهار العيد … فتأتيني بدونه ثم ترحل عني سريعًا قبل أن أهنأ بك … تلملم في عباءتك السوداء نجومك وقمرك وأحلامي … وتتركني في نهار بلا هواء يملأ صدري لأتنفس …

كم أنت خائن يا ليل
تؤرجحني بين مشاهد حلم لم يكتمل … وجرح أوقعته بفؤادي لم ولن يندمل … وكلمة من حرفين بخلت بقول جملة تجمعهما لقصتي فتكتمل …

كم أنت خائن يا ليل …
خنت طفلة سلمتك براءتها … فسلبتها عفويتها وفرحتها وراحتها … أحلت زهور عمرها لأطلال من رماد وركام … فبعد أن كانت أكاليل الياسمين تتوق لنظرة منها … باتت أشجار الخريف تشفق عليها وترثي ربيع ألوانها …

كم أنت خائن يا ليل …
خنت النهار والنور والصباح … حين أمنوا لحمرة المغرب … فلفحتهم سمرة عباءتك على حين غرة منهم واطمئنان … كم نحن حمقى … تحترق الشمس من أجل أن تنير حياتنا … ونحن نتركها ونتغزل في ليل القمر …

يا ليل …
لن أرتضي بوجودك بعد الآن بين دقائقي … سأجعل يومي اثنتي عشرة ساعة … وشهري خمسة عشر يوما … وعمري بلا ليالٍ … وعندما يأخذني بشدة الحنين إليك … سأتلصص عليك خلسة في ليالي كل الناس من حولي … فتثبتني على موقفي دموعهم بين ذراعيك … وآهاتهم بين صفحات سمائك … فأعود لعقلي وصحوتي ونهاري …

سأعود أنا …
تلك الزهرة …
وذلك الحلم الجميل …
سأعود بحرًا يقل مراكب وسفن وبحارة بلا عدد … بحرًا بلا شطآن ولا مرسى … بحرًا صافية مياهه كسماء نهاري … بيضاء أمواجه كنور سحابي …
سأعود بحرًا لا يقل ماؤه مهما اغترفنا منه … صحيح أنه لا يروي ظمأً ولا ينبت كلأً … ولكنه يكفي أن يحتمل العالم كله بين جنباته دائمًا … فلا نهار ليبدأه ولا ليل ليقصيه وينهيه …

ولكن أرجوك قبل كل ذلك …
أعد لي نفسي …
صمتي …
ورائحتي العالقة بين أضلعك …
أعد لي فنجان قهوتي …
ضحكتي …
عبثي وعبوسي …
وأما شكوتي … سأخفيها فلا توجعك
وصرختي … سأكتمها فلا ترجعك
ودمعتي … سأمسحها بكف يدي وسوف تجف ولن تتبعك …
وأرجوك …
أعد لي ذاتي التي ذهبت معك … فمنذ ذهبت عني بت لا أعرف …
“من أنا؟”

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي