أدبيمقالات متنوعة

قراءة في المجموعة القصصية “سلالم بنروز” للكاتب محمد سمير رجب

وقت النشر : 2024/06/06 11:23:50 PM

قراءة في المجموعة القصصية “سلالم بنروز” للكاتب محمد سمير رجب

بقلم: الكاتب والناقد زكريا صبح

كل فن بلا ألم لا يعول عليه؛

هذا ما وقر  فى  رأسى  بعد ان انتهيت من القراءة، ربما كانت  مقدمة تشي بالانطباعية ولا تؤشر لقراءة نقدية منهجية، ولكن  عندما تنز القصص ألمًا وتشير من طرف خفي إلى أجواء معركة كانت ملتهبة الصراع بين رجل وذاته تارة ورجل وامرأة بعيدة المنال تارة أخرى.

 عندما تشتم رائحة احتراق  قلب زرع في جنباته حدائق مزهرة، وراح يدعو أنثاه إليها كي تستظل فيها بظلالها، ممتنة لصاحب الحديقة، فإذا الحديقة تحترق وإذا الدخان يتصاعد، وإذا رائحته  تنتشر.

أقول عندما يحدث ذلك إثر قراءتك لقصة واحدة فإننا لابد أن نضرب بالمنهجية عرض الحائط  فمابالك ونحن نتحدث عن مجموعة قوامها سبعة عشرة قصة، إذن فليس منطقيًا أن أتحدث عن  الرواي إن كان غائبًا أو مشاركًا، متحدثًا بضمير الهو أو بضمير  الأنا بعدما لمست عذاباته وسمعت أنين قلبه شممت رائحة احتراق  جسده، لم يعد  يعنينى الرواي من يكون بعدما شعرت أنني ربما كنت البطل في معظم القصص.

وليس منطقيًا أن نتحدث عن الزمن في القصص، هل حدثت في الماضي أم ستحدث غدًا، بعدما حرص الكاتب على استخدامه الأفعال المضارعة فى جل قصصه، ليوهمنا بأن المأساة لم تزل أحداثها جارية وساخنة.

وليس منطقيًا أيضًا أن نتحدث عن الشخوص في القصص ولا سماتها الجسدية أو مواصفاتها الشكلية،  بعدما اكتشفنا براعة الكاتب فى تجسيد الأفكار والمشاعر والمواقف الفلسفية في قالب قصصي تتحول فيه الأفكار إلى أحداث.

لقد كان  ينسج  قصصه من عصارة ألمه، فيحيل المعنى الذي يقصده إلى وقائع رمزية ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود  هو المعنى المختبئ ورائها؛ ولذا ليس غريبًا أن نقرأ النص مرةً بعد مرة  كي نفك شفرته ونؤِلُ معناه ونعيد بنائه.

* بدءً من الإهداء نلج إلى العالم القصصي لمحمد سمير رجب  حيث يقول؛ (إلى من ينهشهم الخوف والألم والمرض النفسي في كل مكانٍ وزمان، ثمة من يشعر بكم ويعرف عنكم كل شيء)

وبناءً على هذا الإهداء الذي يعد مقدمة أولى، نتأهل نفسيًا للقراءة، وبعد أن ننتهي سنتأكد أنه لم يغرر بنا ولم يراوغنا، بل  كان صادقًا حتى لكأنه تقمصَ شخصية واحدة  تعانى حزمةً من الأمراض النفسية، وراح يصرخ فينا كى ننتبه لهذا المريض، فلم ننتبه فقط بل تألمنا له أيضًا؛ وأظن أن هذا ما يسعى إليه كل كاتب “أن تتألم لأبطاله”..

فنحن أمام رجل في 

متاهة كبيرة إثر أن يدخلنا إياها، رجل يمشي في متاهته من أجل الوصول، لنكتشف أنه تائه ولا يعرف(معنى الوصول)، وربما كان من المناسب أن أقول أن الكلمة الأخيرة التي ختم بها الكاتب مجموعته التي كانت بمثابة متاهة كبيرة؛ أقول الكلمة الأخيرة التي ختم بها الكاتب مجموعته هي السؤال الذي يتردد داخلنا ليل نهار (ما الوصول؟)..

هذا الرجل مازال يمشي، يمشى بلا هدف اللهم إلا إذا اعتبرناأن المشي هدف في ذاته.

هذا  رجل برأس ملعونة اختلطت فيها كل الأمور، لذا ليس غريبًا أن يجعل من نفسه لعبة ليحكي قصتها، وهو إذ يحكى قصتها لم يكن يحكي إلا قصته، وكيف أنَّ الإنسانَ ربما كان مثل دمية فى يد من يحب جاعلًا من نفسهِ مصدرًا لبهجته وفرحه، مطيعًا له، مرنًا لينًا هينًا، يفعل كل ذلك لأنه يحب هذا الشخص _ رجلا كان او امرأة_   فإذا هذا الحبيب بدلًا من أن يهتم به ويشكر له حسن صنيعه، إذا به يطعنه طعنات في أماكن متفرقة من جسده، تمامًا كما يفعل الصغار بالدمى.

** امرأةٌ تلك التي أودت بحياة الرجل النفسية إلى قعرِ بئرِ الجنون؟

سؤالٌ كان يقفزُ إلى رأسى كلما انتهيت من قصةٍ، ولست أدري  لماذاكان يقفزُ سؤال كهذ، رغم أن النصوص لا تشي به ولا تصرح بالقضية أصلًا، وربما كان السؤال أكثرَ إلحاحًا عندما اكتشفت  أنَّ أغلب النصوص لا تقول صراحةً أن ثمة امرأة ما، لكن أنفاس هذه المرأة لفحتني كثيرًا، فبت في المتاهةِ ذاتها أبحث عنها، أحاول أن أرسم لها صورةً تليق بفعالها، أحاول أن أضع لها اسمًا  يعبر عن تغلغلها في قلب الرجل وسريانها في أوردته، أحاول أن أتخيل لها قوامًا وهيئة وأجعل لها عينين ولسانًا وشفتين، كي أنظر فى عينيها وأقرأ ما فيهما وأنصت إلى شفتيها وما تنطق بهما.

أي امرأةٍ تلك التي بثت الرعب فى قلب رجلها وحبيبها، فراح  يخبؤها بين حروفِ الكلمات وبين كلمات الأسطرِ وبين أسطرِ الصفحاتِ وبين صفحاتِ الكتاب وبين كتبِ مكتبته الضخمة، حجابٌ من ورائهِ حجاب، كأني بالرجل فى هذه القصص _ ونحن مثله فى كثير الاحوالكأني به  يخشى عواقب  التصريح  فذهب من فورهِ إلى الرمزِ وإلَّا كيف نفسرُ ما يلي؛

أولًا:  

– من هى تلك المليحة التي حارب من أجلها ألفُ فارسٍ مُلثَّمٍ وخاض الحرب بشجاعةٍ منقطعة النظير، ثم لم يقتله إلا هذا الحسن وتلك الملاحة، ورغم وطيس المعركة الحامي (لم تتقدم نحوه  خطوة)

لقد بدت متواطئة عندما (أرادت له ميتةً بطيئة يسبقها أملٌ في حياةٍ وفي رغبةٍ وفي رشفةِ حب) كانت قد عقدت العزم ألا تنيله إيَّاها.

ثانيًا:

– من تكون تلك المرأة التى قرر البطل أن يضحي بنفسهِ كي يتخلص لها من وحشٍ مرعب يلتهم الجميع، ولأن الوحشَ في متاهةٍ أرضيةٍ بعيدة، ولأنهُ وثقَ في حبيبته، فقد أمسكَ بطرفِ الخيط الذي  أمسكت هي بطرفهِ الآخر حتى يهتدي بهِ إذا عادَ منتصرًا، لكنها لم تكن إلا كتلك التي قتلته ببطءٍ في القصةِ السابقة، وهي هنا خذلته؛ إذ فرت هاربة مرتعبة تاركةً إيَّاهُ يواجه مصيره.

من عساه يكون الوحش؟

ومن ياترى  هذه المرأة الخائنة؟

وأين يكون هذا المكان الذي دارت فيه المعركة؟

أسئلة منطقية يطرحها النص عبر هذه الرموز التي تطلب من القارئ تأويلها وفك شفرتها.

ثالثًا:

– من تراها هذه المرأة التي أحبته وتماهت في حبه، ثم اكتشفت أنها وقعت فى سوءِ فهمٍ لطبيعةِ العلاقة، وأنِّي وأيم الله لشعرت لوهلةٍ أنَّها المرأة ذاتها التى خانته مرة وخذلته مرة، فصنع لها قصةً جعلها فيها ضعيفة وذليلة تستجدى حبه، ثم صفعها صفعةَ منتقم   بأن قال لها (الاستعارات شيءٌ خطير ولا يمكننا أن نمزح مع الاستعارات)

وهنا لابد أن نستحضر ونتخيل كيف كانت هذه الاستعارة؟ كيف قالها لتفهم منها أنه يحبها؟

رغم إشفاقي عليها إلا أنَّني سعدت من أجله أن نال منها جزاء ماقدمت يداها.

رابعًا:

ها هي المرأة تطل برأسها مرةً أخرى لكنها فى صورةِ شمسٍ  أفلة، هكذا أرادَ الكاتب أن يوقظ بطله الذي توهم أنَّ امرأته شمسٌ قد تُضئُ له الحياة، وأنَّها قد تكون سببًا لسعادته، فإذا بها ليست إلَّا شمسًا أفلةً بغير ضياء، من دون حرارة، منزوعةَ الدفء والاحتواء، متجمدة المشاعر.

خامسًا:

-لم تزل المرأة فى صدارةِ نصٍ عنوانه (الرجل الذى مشى)،

لم  تغادرني روح المرأة فى هذا النص الذي لم يأت على ذكرها من قريبٍ أو بعيد، لكن الحالة التي وصل إليها الرجل فجعلته يمشي  بغير هَدي، يضرب فى الصحراءِ الشاسعة، يتوغل في التيه بغير دليل، يأكل الأسفلت نعل حذائه وتشوي حرارته جلد جسده حتى تساقط منه.

أقولُ أنَّ هذه الحالة التي وصلَ إليها البطل لم تكن إلَّا أنَّهُ يؤمن أنَّ (الإنسان ليس فى حاجةٍ إلى أكسجين ليحيا، إنه في حاجةٍ إلى غايةٍ  وأمل) وما الغاية والأمل إلَّا امرأة يحبها الرجل  فتصبح لهُ طريقًا يجد السعي فيه من أجلها، فإذا ما غابت ظلَّ سائرًا بغير هَدي..

** تكفينا هذه النماذج الدالة على حضور المرأة السلبي فى حياة رجل مرهف الحس، يتلقى الصدمات واحدةً تلو أخرى، فلما راح يكتب قصته، كتب قصةَ رجالٍ كثر، كانت أحلامهم تنحصر في امرأةٍ خذلتهم فأصابهم مسٌ من الجنونِ والاضطراب النفسي، هذا الاضطراب الذي بدا واضحًا في جنباتِ النصوص جميعها.

ولأن الكاتب يمتلك أدواته، فقد جاءت نصوصه مكتنزة مكثفة  نشتم فيها رائحة الثقافة العالية والفلسفة الخاصة والرؤية الواضحة.

هذه وجبة  قصصية إبداعية تستحق الإشادة ليس لكونها  متماسكة البناء ولا لأنها رائقة اللغة ولا لأنها رمزية غير مفتقدة للمفتاح، هذه وجبة فنية تستحق الإشادة لأنها جعلتنا نتألم  وفي الألمِ بعض التطهر..

زر الذهاب إلى الأعلى