أدبيمقالات متنوعة

فادعوهُ بها _الصبور _ هبة محمد زغلول

فادعوهُ بها

الصبور

بقلم: هبة محمد زغلول

بينما كنتُ أجلس بين يدي شيخي ومعلمي شيخ القضاة، أقرأ عليه الشكاوى والقضايا المقدمة لليوم.
إذ بطرق على الباب ولكنه لم يكن كأي طرق، كانت طرقات سريعة عصبية متقطعة، نادى القاضي للطارق وسمح له بالدخول.
كان رجل في متوسط العمر يبدو رقيق الحال ولكنه عزيز النفس.
وقبل أن يبدأ بالكلام أشار له القاضي بالجلوس وأشار لي أن أجلب له الماء.

جلس الرجل وهو يلهث ويبدو عليه الاضطراب الشديد وهنا بدأ بالحديث يروي عن عهدته لمخازن الغلال لما عُرف عنه من براعة في الحساب والتقدير وكذلك من خلقه الأمانة والضمير، وأن البلاد تمر هذه الأيام بظروف جفاف وقلة في المحاصيل ولذلك وجب الترشيد والاقتصاد في الاستهلاك وحسن التدبير.

أومأ القاضي رأسه بالايجاب وهو يحثه على المتابعة،
فأكمل الرجل يحكي أنَّ المخازن عهدته مسؤولة عن إطعام عشرين قرية يفد إليه في بداية كل أسبوع مندوب عن كل قرية ليحمل حصتها ويتم توزيعها بالعدل بين أهل القرية بيعًا وشراءً للتجار وصدقةً على غير المقتدرين تحت رقابة قاضي القرية.
وأنه الغد موعد توزيع الحصص وبدأ بأعمال الجرد والتقسيم ليتفاجأ بفقدان كمية كبيرة من الغلال، وأنَّ القدر المتبقي لا يكفي لتوزيع بين العشرين قرية وإلَّا بات الأمر مجاعة حقيقية وكارثة وشيكة.

كان القاضي يعيره كل اهتمامه وهو يسمع منه التفاصيل ويطلب منه مرارًا تكرار بعضها للتحقق من صدقها أولًا او استنتاج ما يكمن وراءها ثانيًا.

ولأهمية تلك القضية وعدم احتمال تأجيلها طلب مني سيدي أن أُعيد باقي القضايا إلى مكتبته وأن نبدأ بتحديد قوائم الشهود والمشتبه بهم ليباشر التحقيق في أقرب وقت.

وبالفعل بدأ القاضي بعد صلاة العصر في الإستماع إلى الشهود والعمال بالمخزن واحدًا تلو الآخر، وكذلك قام باستدعاء مناديب توزيع الغلال بالعشرين قرية.

بدأ القاضي التحقيق، وبينما كان يستمع، كنت أحاول القفز إلى الاستنتاجات محاولًا تجميع الحقائق واستيعاب التفاصيل الهامة. وكلما هممت بالمقاطعة أو الحديث أشارَ إليَّ بالصمت.
بينما هو يتعامل مع الأمر بسكينة وروية وهدوء.

ومع استراحة صلاة المغرب اختليت به لأخبره بحماس واندفاع أنني استطعت حل اللغز، نظر لي بصمت وهو يتفرس ملامح وجهي، وبدأت بغرور استعرض أمامه أن أجزاء الحقيقة تبدو جلية فالحارس هو السارق بمعاونة أحد الحمالين فالأمر يبدو جليًا.

استمع لي وهو يبتسم ولكنه تكلم معي برفق مشددًا على أهمية الصبر وجمع الأدلة وسماع جميع الشهود بعناية.
أخبرتهُ أنَّ هذا التروي ليس في صالح القضية وأنَّ عليه مواجهة السارق لينتزع من الاعتراف أو مداهمة منزله للتفتيش قبل أن يفقد دليل السرقة.

وفي كل مرة أرجوهُ أن يتعجل، كان يحثني هو على الصبر، فسألته هذه المرة بغضب الأطفال “وكيف أصبر على ما لم أُحِط به خُبرا” ، نظر إلى بدهشة من ردة فعلي فاعتذرت عن رعونتي وعدنا مرة أخرى لاستكمال التحقيقات.

مع مرور الوقت وتتابع سماع الشهود، بدى على بعضهم الاضطراب وتضارب الشهادات، وكان القاضي يضيق الخناق على بعضهم تارة، ويترك لهم الاسترسال في الكلام تارة أخرى بدأت أستوعب حكمة القاضي وأدرك أهمية الانتظار والصبر في السعي للحقيقة.

وفي لحظة حاسمة، قدم شاهدٌ وقد وقع في الفخ الذي وضعه القاضي؛  فقد أوهم الشهود بتفاصيل مغلوطة وأسئلة متناقضة، مما أدى إلى تفضحه وكشف حقيقته، وتبين أنَّ السارق الحقيقي كان الحارس ولكن بمعاونة مندوب إحدى القرى ليختص نفسه بحصة أكبر من الغلال.

وبالفعل تواجه السارقان واعترفا بجريمتهما وتم حل القضية وتم فض المجلس.
وفي صباح اليوم التالي عُدت إلى شيخي معتذرًا عن رعونتي وتعجلي للأمور بالأمس، وكذلك إعجابي وتقديري له لحكمته وصبره .
فجاوبني بإشفاق ومحبة الأب لابنه، أنَّ هذا هو حال كل الشباب ولكن الأهم أن نتعلم، وأنَّ الصبر هو أن تكون قويًا وحكيمًا وحليمًا،
فأنت تملك القوة للتصرف والقرار، وحكيمًا في الإفصاح أو الإستئثار بما تعلمه من حقائق وكذلك انتظار الوقت المناسب لردة الفعل، وحليما تنتظر تدابير القدر وتتعامل بأدب مع حكمة الله.

وعن أهمية الصبر في القضاء والحياة بشكل عام؛ أوضح لي أن الصبر هو سمة قيمة تعزز الحكمة وتساعد في اتخاذ القرارات الصائبة.
وأنَّني وإن كنت مصيبًا في جزء من الحقيقة أمس إلا أنني كدت أن أفقدها كلها بسوء ظني وعدم تحققي من نصفها الآخر.
وأنَّ الانتظار والاستفسار يمكن أن يؤديان إلى نتائج أكثر دقة وعدالة، بينما الاستعجال وعدم الصبر يمكن أن يؤديا إلى ارتكاب الأخطاء والظلم.

ثم أخذ يمسك بشحمة أذني ممازحًا إياي؛ “أما عن نبي الله موسى، أتظن أنَّ نبيًا كان مبعوث على بني إسرائيل يتحمل حماقاتهم وجدالهم وتطاولهم على الله ورسله لا يملك من الصبر والحكمة ليتعلم، فإنما موسى عليه السلام من أولو العزم وقد تميز في حياته بالصبر، وهو محل قدوة وأسوة، إذ صبر على تكذيب فرعون وملئه وعلى ما لقيه من الإيذاء والسخرية حتى من قومه، إلى أن جاء نصر الله المبين، ونصره على فرعون وأتباعه، حتى عندما ضل قومه وعادوا العجل صبر عليهم ومكث فيهم يعلمهم ويرشدهم ويؤدبهم، فمن كان أصبر كان أجدر بالنصر، إنما هذه الزلة له مع الخضر إنما هو ضعف بشري ناتج عن فطرة طيبة يخشى إلحاق الإيذاء والضرر للمستضعفين كلًا من أصحاب المركب أو أهل الغلام الطالح أو اليتيمين، وهذا الدرس كان لحكمة من الله نتعلم نحن منه أهمية الصبر والتروي، وإن غاب عن علمنا المحدود والضيق الحكمة والمقصد.
وأن الله يمهل عباده جميعًا دومًا الفرصة للمراجعة والتوبة والرجوع إليه، وأنه كان قادرًا أن يحاسب الناس جميعًا بما أنَّهُ مقدر لهم أعمالهم وحسابهم.

وأكمل القاضي عن تجربته الشخصية وكيف أنَّ الصبر كان له دور كبير في نجاحه كقاضٍ حتى صار شيخًا للقضاة .
وتحدث عن اللحظات التي كاد يفقد فيها الأمل والصبر، ولكنه استمر في التحقيق والتروي قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية.

شعرت بالخجل مرة أخرى من رعونتي وغروري المضللين لتفكيري.
إلَّا أنَّهُ بحكمة ومحبة المعلم أشاد بذكائي ودقة ملاحظتي وعنايتي بالتفاصيل ،وأنه بمزيد من الخبرة والتمرس في العمل وتجارب الحياة سأكون أجدر بالتمييز.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي