أدبيمقالات متنوعة

الشكلانية في نقد الأدب

الشكلانية في نقد الأدب 

بقلم: مصطفى نصر

الشكلانيون هو مصطلح في اللغة العربية يُستخدم لوصف الأشخاص الذين يركزون على الشكل أو المظهر الخارجي أكثر من المضمون أو الجوهر. يأتي هذا المصطلح من كلمة “شكل” التي تعني الظاهر أو الطريقة التي يبدو بها شيء ما، من الوهلة الأولى قبل التعمق في أغواره.

 

منهج الشكليين أو الشكلانية (Formalism)، هو أحد المناهج النقدية في دراسة النصوص الأدبية، وهو لا يختلف كثيرًا عن الفكرة التي ذكرناها في المقدمة، إذ يركز بشكل أساسي على الشكل الفني للنص الأدبي بدلًا من محتواه أو سياقه التاريخي والاجتماعي والديني والأيدلوجي أو النفسي.

 

نشأت البذور الأولى لهذا المنهج في سويسرا على يد عالم اللغة السويسري فردنارد دي سوسير في أواخر القرن التاسع عشر، في ما يعرف بالمنهج البنيوي ثم تفرعت منه مدرسة براغ ومدرسة لندن ومدرسة باريس، إلى أن تشكلت في روسيا من بذوره في أوائل القرن العشرين مجموعة “الشكلانيين” من النقاد مثل فيكتور شكلوفسكي، وبوريس إيخنباوم، ورومان ياكوبسون، ثم تطور لاحقًا في أوروبا والولايات المتحدة مع تيارات مثل “النقد الجديد” (New Criticism).

تشوفسكي

 أسس منهج الشكليين:

. التركيز على الشكل واللغة:

– يرى الشكليون أن القيمة الأدبية تكمن في البنية الداخلية للنص، مثل الإيقاع، والصور الشعرية، والتراكيب اللغوية، وليس في المعاني الخارجية أو الرسائل الأخلاقية، لذا فإن على النقاد عدم التجني على النصوص ومحاكمتها بقواعد علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الجمال وعلم الاخلاق، فهم يهتمون بـ”كيفية” صياغة النص أكثر من “ماذا” يقول.

 

مبادئ مدرسة الشكلانيين:

1. الاهتمام بعناصر التجربة الأدبية التي تنحصر في:

الفكر والعاطفة وانتقاء الألفاظ والتراكيب والجمل والصور والأخيلة والموسيقى.

2. مفهوم “التبعيد: 

   – قدمه شكلوفسكي، ويعني أن الفن يعمل على جعل الأشياء المألوفة غريبة وجديدة من خلال تقنيات لغوية وأسلوبية، مما يجبر القارئ على رؤية العالم بطريقة مختلفة.

3. النص ككيان مستقل:

   إذ يعتبر الشكليون أن النص الأدبي كائن مستقل بذاته، لا يحتاج إلى ربطه بالمؤلف أو بظروف كتابته أو بتأثيرات خارجية. هذا المبدأ أصبح أساسًا لاحقًا في “النقد الجديد”.

4. التفريق بين الأدب والواقع:

   – يرون أن الأدب ليس انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل هو نظام لغوي يتميز بخصائص خاصة تميزه عن اللغة اليومية.

 

ايخنباوم

خطوات تطبيق المنهج الشكلي:

1- تحليل العناصر الشكلية:

مثل الإيقاع، والقافية، والصور البلاغية، والتركيب الجملي.

2. دراسة التقنيات الأدبية:

كيف يستخدم الكاتب اللغة لخلق تأثير معين (مثل السرد، والحوار، والرمزية).

3. عزل النص:

بالابتعاد عن التفسيرات النفسية للمؤلف أو السياق التاريخي، والتركيز فقط على ما هو موجود داخل النص.

 

مميزات المنهج الشكلي

– يبرز الجوانب الفنية والجمالية للأدب.

– يساعد على فهم الإبداع اللغوي والأسلوبي.

– يقدم تحليلًا دقيقًا وموضوعيًا للنصوص.

 

انتقادات المنهج:

– يُتهم بتجاهل السياقات الثقافية والتاريخية التي تؤثر في النص.

– قد يقلل من أهمية المضمون أو الفكرة التي يحملها العمل الأدبي.

– يمكن أن يكون محدودًا عند تحليل الأعمال ذات البعد الاجتماعي أو السياسي القوي.

مثال عملي:

لو طبقنا المنهج الشكلي على قصيدة عربية كلاسيكية، لن نهتم بظروف كتابتها أو سيرة الشاعر، بل سنركز على كيفية استخدام الشاعر للوزن، والقافية، والصور الشعرية لخلق تأثير معين، مثل إحساس القارئ بالدهشة أو الغرابة.

نموذج:

قصيدة خليل مطران المساء من منظور المدرسة الشكلانية:

تحليل قصيدة “المساء” لخليل مطران من منظور المدرسة الشكلانية يتطلب التركيز على البنية الفنية واللغوية للنص، بعيدًا عن السياق التاريخي أو السيرة الذاتية للشاعر، حيث تهتم الشكلانية بالعناصر الداخلية للعمل الأدبي وكيفية تشكيلها للمعنى.

تحليل شكلاني لقصيدة “المساء” لخليل مطران:

إذا قدمنا هذا النص لناقد شكلاني سيهتم فقط بالأمور التالية:

1. البنية الصوتية والإيقاعية:

قصيدة “المساء” تتميز بإيقاع موسيقي يعكس حالة التأمل والهدوء التي يصفها المشهد الطبيعي. الشكلانيون يركزون على كيفية استخدام الوزن العروضي (غالبًا البحر الكامل أو المتقارب في شعر مطران) لخلق تناغم صوتي يعزز الإحساس بالسكون والانسجام. التكرار الصوتي لأحرف معينة (مثل السوائل والمهموسات) قد يُستخدم لمحاكاة أصوات الطبيعة كالهواء أو خرير الماء.

2. الصور البصرية واللغة:

   الصور الشعرية في القصيدة، مثل وصف الغروب والسماء والظلال، تُبنى بعناية لتشكل وحدة بصرية متكاملة. من منظور شكلاني، لا نهتم بما إذا كانت هذه الصور تعكس تجربة شخصية لمطران، بل كيف تتفاعل الألفاظ والتراكيب (مثل الاستعارات والتشبيهات) لتخلق تأثيرًا جماليًا مستقلًا.

على سبيل المثال، وصف “المساء” ككائن حي أو كلوحة فنية يبرز العلاقة بين الشكل والوظيفة في النص.

3. التضاد والتوازن:

   الشكلانية تهتم بالثنائيات البنيوية، وفي “المساء” نجد تضادًا بين النور والظلام، الحركة والسكون، الحياة والصمت. هذه الثنائيات ليست مجرد تعبير عن فكرة، بل أدوات شكلية تُنظم القصيدة وتُكسبها تماسكًا داخليًا.

4. الوحدة العضوية:

من أبرز مبادئ الشكلانية أن النص الأدبي كائن مستقل، وفي “المساء” نرى كيف تتكامل العناصر (الإيقاع، الصور، اللغة) لتشكل تجربة شعرية متماسكة. كل بيت أو مقطع يساهم في تعزيز الفكرة المركزية للقصيدة دون الحاجة إلى ربطها بسياق خارجي.

بوشكين

الخلاصة:

من منظور المدرسة الشكلانية، تُعد “المساء” نموذجًا للعمل الفني الذي يستمد قيمته من تنظيمه الداخلي وتفاعل عناصره الشكلية. اللغة هنا ليست مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل هي جوهر التجربة الجمالية، حيث يُعاد تشكيل الواقع (المساء كظاهرة طبيعية) في بنية شعرية تتحدى التفسير الحرفي وتفتح المجال للتأمل الجمالي.

وختامًا:

المدرسة الشكلية الروسية كانت أحد المذاهب المؤثرة في ميدان النقد الأدبي في روسيا في الفترة بين العام 1915 و1930, وهي تشتمل على أعمال العديد من المفكرين الروس ذوي التأثير الكبير على الساحة الأدبية مثل فيكتور شيكلوفسكي ويوري تينيانوف وبوريس أيشينباوم ورومان جاكوبسون وجريكوري فينكور، وهي أسماء أحدثت ثورة في ميدان النقد الأدبي بين العام 1914 حتى الثلاثينيات وذلك يرجع إلى جهودهم التي بذلوها للتأكيد على خصوصية لغة الشعر والأدب واستقلاليتها.

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي