علم نفسمقالات متنوعة

عندما تندثر الأخلاق

عندما تندثر الأخلاق 

 

كتبت: د.عبير عاطف 

 

 أزمة الأخلاق فى مجتمعنا المصري أصبحت أخطر من الأزمة الاقتصادية، أصبحنا نستيقظ كل صباح على جريمة أخلاقية جديدة.

لم تعد النشرات الإخبارية تنقل لنا أخبارًا من “عالم آخر”، بل تفاصيل يومية من بيوتنا وشارعنا ومدارسنا. محاكمنا اليوم تنظر قضايا ما كنا نعرفها في مجتمعنا:

ابن يقتل أمه أو أباه، أشقاء يتصارعون على الميراث بلا رحمة، زوجة تُزهق روح زوجها، أو زوج يمزق قلب أسرته، حوادث زنا محارم تهز الضمير، تحرش واغتصاب أطفال، انتشار السرقة والرشوة والاحتيال وكأنها أصبحت “ذكاءً اجتماعيًا”.

 

ماذا حدث يا أمة القرآن؟

 

كيف انقلبت المعايير؟ وأين ذهبت تلك القيم التي تربينا عليها جيلاً بعد جيل؟

دائمًا ما تنشغل وسائل الإعلام والرأي العام بالأزمة الاقتصادية، بتقلبات الأسعار والدولار وتكاليف المعيشة. لكن هل آن الأوان أن نلتفت إلى الأزمة الأخلاقية التي تتفشى بصمت، وتنهش في القيم التي تحفظ كرامة الإنسان؟

 

لقد فاقت أزمة الأخلاق في خطورتها الأزمة الاقتصادية، لأنها تمس جوهر الإنسان، وتضرب منظومة الضمير، وتُهدد استقرار المجتمع بأكمله.

 

في السنوات الأخيرة، أصبح الفساد الأخلاقي أمرًا معتادًا: الكذب، الغش، الانفعال، العنف، التحرش، التعدي على الحرمات، حتى الأطفال لم يسلموا، مما يكشف أننا لا نواجه سلوكًا فرديًا، بل خللًا عامًا في الوعي والقيم.

 

1. التحرش والاغتصاب.. انهيار الحرمات

أصبحت المرأة مهددة في كل مكان.. تشير دراسة صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) إلى أن 99.3% من النساء تعرضن لشكل من أشكال التحرش.

وفي تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2023)، تم تسجيل أكثر من 6000 بلاغ تحرش واغتصاب خلال عام واحد، بزيادة تقارب 35% عن السنوات السابقة.

 

2. اغتصاب الأطفال: الجريمة الصامتة في قلب المجتمع

الوجه الأبشع لأزمة الأخلاق يظهر حين يفقد الطفل أمانه داخل محيطه الطبيعي. تشير بيانات خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للأمومة والطفولة إلى أن 80% من حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال تقع على يد شخص معروف للطفل —كأحد الأقارب أو الجيران أو المعلمين.

في عام 2022 وحده، استقبل الخط أكثر من 2200 بلاغ موثق بالاعتداء الجنسي على الأطفال، والرقم الفعلي يتجاوز ذلك بكثير نتيجة الخوف من الفضيحة أو إنكار الأسر.

الصدمة لا تكمن فقط في الجريمة، بل في التواطؤ المجتمعي بالصمت أو التبرير، مما يطبع هذه الكوارث ويجعلها تتكرر دون حساب.

 

3. الغش والكذب.. تبرير الفساد

أظهرت دراسة لمركز بصيرة أن 40% من طلاب الثانوية اعترفوا بالغش الدراسي، ويرى بعضهم أنه “حق مكتسب” ما دام الجميع يغش.

المشكلة لم تعد في الفعل، بل في ثقافة التبرير الجماعي.. الكذب مشروع إن أنقذك، والغش جائز إن احتجت، والخيانة مقبولة إن بررتها الظروف.

 

4. التنمر والعنف اللفظي.. قسوة تعمّمت

أكثر من 55% من الأطفال والمراهقين تعرضوا للتنمر الإلكتروني، وفق تقرير اليونيسف ووزارة الاتصالات (2023).

كما انتشر العنف اللفظي في البيوت والمدارس والشارع، حتى صار السب والشتم جزءًا من “الطبيعة اليومية”، ما يجعل الأجيال تنشأ في بيئة تؤسس للقسوة لا للرحمة.

أزمة أخلاق

هل نحن أمام أزمة عابرة؟

ما يحدث ليس عارضًا، بل انهيار منظومة قيمية كاملة. لم نعد نقيس الأمور بالضمير، بل بـ”ما يفعله الآخرون”. أصبح الطبيعي منحرفًا، والصحيح شاذًا، والخطأ مبررًا.

 

الحل يبدأ من الجذور

 

الأسرة:

هي الحصن الأول، وعلى عاتقها تنشئة أطفال لا يبررون القبح مهما رأوه.

المدرسة:

يجب أن تعود لتكون مكانًا للقيم، لا فقط للمناهج.

الإعلام والفن:

 لا بد من محاسبة المحتوى الذي يُطبع الجريمة ويُروّج للعنف والابتذال.

الخطاب الديني:

ينبغي أن يُعيد تركيزه على الأخلاق كسلوك يومي، لا فقط أداء شعائري.

 

ختامًا..

انهيار الأخلاق هو انهيار الإنسان .حين ينهار الاقتصاد، يمكن أن نصبر ونتقشف.

لكن حين تنهار الأخلاق، يضيع الأمن، ويخون الصديق، ويُغدر بالطفل، وتُستباح الأجساد.

الأخلاق ليست ترفًا، بل شرطًا للبقاء.. وعلينا أن نُعلن بوضوح

نعم.. أزمة الأخلاق أخطر من أزمة الاقتصاد.

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي