مقالات متنوعة
أخر الأخبار

" عيون خلف الستار " 

بقلم .. السيد الخضري

إنّ النفوس تسير في دروبها بخطًى متباينة ، منها من يسلك طريق الترفع والسمو ، مهتما بنفسه مكتفيا بحاله ، ومنها مَن يتسلق أسوار الخصوصية لغيرهم كما يتسلق اللصوص أسوار البيوت ، تاركا شأنه، منشغلا بشؤون الناس .

كأنما أوكِل إليه رسم خرائط نفوسهم ، وتسجيل دقّات قلوبهم في دفتر يومياته ، فلا يهدأ له بال ولا يستقر له حال حتى يحيط نفسه علما بكل الأخبار التى لا تخصه ، وكأن حياة الناس مسرحٌ بُنىّ لأجله ، فهو الجمهور والمخرج والناقد ، يجلس بوقاحة على عرش الظن ، يصدر الأحكام ويوزع الاتهامات .

إنّ التطفل لصاحبه هزيمة صامتة تتوارى خلف السؤال ، وداء دفين يدسّ أنيابه بين الحروف ، ويختبئ في ثنايا الحديث ، يندسّ في السؤال البريء ، وفي التعليق العابر ، متظاهرا بالاهتمام ، لكنه في حقيقته خنجر فضولٍ ، يطعن به المتطفلُ حرمة الصمت ، ويقضّ مضجع الاستقلال ويهتك ستر الخصوصية . ولعل أعجب ما رأيت وأذهلني حين قال لي أحدهم وقد أرهف سمعه وتهيأت حواسه في لهفة : ” متعرفش فلان ناوي على إيه؟ ” ..أي فضولٍ مقيت هذا الذي نسي أن النوايا من أسرار الصدور ، وأن اقتفاء أثر الناس وتتبع أدق أمورهم ليس فروسية ، بل تلصص، وسعي أعمى في ليل بهيم .

إن الفضول مرضٌ لا يهين صاحبه فحسب بل يعتدي على كرامة مَن يتعرض له ، إنه السارق التى يتسلل إلى البيوت عبر نوافذ الأحاديث ، يفتح أدراج الهموم ، ويقلب دفاتر الأوجاع ، ويقحم نفسه في القرارات كأنما فُرض عليه أن يكون الوصيّ على تفاصيل حياة الآخرين .

الحياة ستار من الهيبة ، ولكل إنسان مسافةً مقدسة ، لا تُخترق، ولا تُداس ، وجدار من صمت لا يُطرق إلا بدعوة ، ولا يُكشف إلا بمحبة صادقة ، فليست كل يدٍ تمتدّ إلينا يدًا حانية ، وليست كل عينٍ تراقبنا عينًا مُحبّة .

كم في الوجوه من ابتسامةٍ كاذبة ، وكم في القلوب من نوايا متطفلة تسعى للنهش لا للفهم .

أختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي اختصر الطريق للكرامة والحشمة والوقار فقال : ” من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه ” إنه طوق النجاة من الغرق في مستنقع القيل والقال ، وسدّ منيع أمام سيل الرزائل الجارف .

فلنحفظ أنفسنا ، ونكف عن اقتحام البيوت بألسنة الفضول وندع الناس وشأنهم ، فربّما في صدورهم ما يكفيهم ، وفي حياتهم ما لا يجب أن يُعلم ويعلن . للبيوت أسرار ، وللأرواح خبايا ، وللنوايا أبواب لا تُفتَح إلا بدعوة من صاحبها .

حسن الخضري

حاصل على بكالوريوس خدمة اجتماعية، يهتم بالشأن المجتمعي والعمل الميداني، ويسلط الضوء من خلال عمله الصحفي على القضايا الإنسانية والتنموية، ويشارك في إبراز صوت المواطن عبر تغطيات واقعية وتحقيقات هادفة، صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي