
المشهدُ الرابعُ
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
بقلم:هند زيدان
وَكَانَ الْوَهْمُ كَافِيًا…
كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ،
نِصْفُ رِسَالَةٍ،
أَوْ حَتَّى فَرَاغٌ يَحْمِلُ اسْمَهَا…
فَحَسْبُهَا أَنْ تُحَرِّكَ السُّكُونَ،
لِيَتَوَهَّمَ أَنَّ الْعَوْدَةَ آتِيَةٌ.
الْوُجُوهُ تَمْتَمَتْ،
وَالنَّظَرَاتُ تَلَاقَتْ،
وَالْهَمْسُ عَنْهُ قَدِ ارْتَفَعَ،
كَأَنَّ شَيْئًا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ،
كَأَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي كَانَ مُعَلَّقًا سَيَتَنَفَّسُ مِنْ جَدِيدٍ.
ظَنَّ أَنَّهَا عَائِدَةٌ،
أَوْ خُيِّلَ لَهُ ذَلِكَ،
فَلَبِسَ الْبَهْجَةَ الْمَكْسُورَةَ،
وَرَتَّبَ مَلَامِحَهُ الْمَهْزُومَةَ،
وَمَضَى نَحْوَهَا كَمَا يُمْضِي الْعَاشِقُ رَأْسَهُ إِلَى الْمِقْصَلَةِ رَاضِيًا.
وَقَفَ أَمَامَ عَرْشِهَا،
مُحْنِيَ الْجَسَدِ،
مُطْفَأَ الْعَيْنِ،
تَارِكًا خَلْفَهُ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ.
لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوَّلًا،
بَلِ انْحَنَى أَكْثَرَ…
وَفَتَحَ كَفَّيْهِ كَمَا يُفْتَحُ الدُّعَاءُ عَلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ،
ثُمَّ خَفَضَ عَيْنَيْهِ،
وَنَطَقَ بِصَوْتٍ لَا يُسْمَعُ إِلَّا تَحْتَ قَدَمَيْهَا:
“أَتَيْتُ… كَمَا تَشَائِينَ
بِلَا اسْمٍ،
وَلَا كَرَامَةٍ،
وَلَا شُرُوطٍ،
أَتَيْتُ كَمَا يُؤْتَى بِالْعَبِيدِ… لَا لِيَسْأَلُوا، بَلْ لِيُسْتَعْمَلُوا.”
ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ قَلِيلًا، لَا شَوْقًا… بَلْ رَجَاءً،
وَقَالَهَا بِهَمْسِهِ الْمَهْزُومِ:
“هَلْ لِي مَوْضِعُ ظِلٍّ فِي حَضْرَتِكِ؟
رُكْنٌ أُنْسَى فِيهِ، أَوْ يُدْهَسُ فِيهِ، أَوْ حَتَّى لَا يُرَى؟”
فَلَمْ تُجِبْهُ…
بَلْ جَلَسَتْ،
وَرَفَعَتْ نَظَرَهَا نَحْوَهُ كَمَنْ يَتَأَمَّلُ شَيْئًا عَالِقًا بِثَوْبِهَا،
ثُمَّ قَالَتْ بِبُرُودٍ تَامٍّ، وَهِيَ تُنْفِضُ يَدَهَا مِنْ أَيِّ مَعْنًى:
“لَمْ أَعُدْ أُرِيدُكَ.”
كَأَنَّهَا تَلْفِظُهُ مِنْ قَلْبِهَا لَا مِنْ فَمِهَا،
كَأَنَّهَا تَطْرُدُهُ مِنْ كَوْكَبِهَا لَا مِنْ حَيَاتِهَا.
وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ صَفْعَةً،
بَلْ كَانَتْ إِعْلَانَ مَوْتٍ،
لَمْ تُسْفَكْ فِيهِ دِمَاؤُهُ… بَلْ كِبْرِيَاؤُهُ.
لَكِنَّهُ… كَمَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ،
مَا إِنْ تَغِيبَ،
حَتَّى يَعُودَ يَنْتَظِرُ.
رِسَالَةٌ أُخْرَى،
نُقْطَةٌ أُخْرَى،
نَسْمَةٌ تَمُرُّ مِنْ جِهَتِهَا.
ثُمَّ تَهُبُّ عَلَيْهِ كَالْعَادَةِ،
فَتُهَدْهِدُهُ الْخَيْبَةُ،
وَيَسْتَيْقِظُ عَلَى زَيْفٍ جَدِيدٍ،
فَيُخْبِرُ نَفْسَهُ:
“رُبَّمَا هَذِهِ الْمَرَّةَ…”
وَيَعُودُ…
رَاكِعًا،
سَاجِدًا،
يَجُرُّ رُوحَهُ خَلْفَهُ كَمَنْ فَقَدَ عَقْلًا اسْمُهُ كَرَامَةٌ،
يُلْقِي بِجَسَدِهِ تَحْتَ قَدَمَيْهَا،
وَيَهْمِسُ كَسَابِقِ الْعَهْدِ:
“عُدْتُ… هَلْ لِي مَكَانٌ؟”
فَتَنْظُرُ إِلَيْهِ،
بِنِصْفِ ابْتِسَامَةٍ وَنِصْفِ مَلَلٍ،
وَتَقُولُ مِنْ جَدِيدٍ:
“لَمْ أَعُدْ أُرِيدُكَ.”
ثُمَّ تَرْفَعُ يَدَهَا،
لَا لِتَحْتَضِنَهُ… بَلْ لِتَصْفَعَهُ،
صَفْعَةٌ لَيْسَتْ عَلَى الْوَجْهِ،
بَلْ عَلَى رُجُولَتِهِ،
صَفْعَةٌ تَمْحُو قَوَامَتَهُ كَمَا يُمْحَى الْغُبَارُ عَنْ حِذَائِهَا.
ثُمَّ تُدِيرُ ظَهْرَهَا،
وَتَمْضِي…
وَتَتْرُكُهُ فِي مَكَانِهِ،
لَا زَالَ سَاجِدًا،
يَنْتَظِرُ وَعْدًا لَا يُقَالُ،
وَيَعْبُدُ كِبْرِيَاءً لَا يَرْحَمُ.
لَكِنْ…
هَلْ سَتَعُودُ؟
يَا تُرَى، إِنْ عَادَتْ…
بِأَيِّ صُورَةٍ سَتَعُودُ؟
أَتُرَاهُ سَيُقَبِّلُ مَوْضِعَ قَدَمِهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ؟
أَمْ يُسْلَبُ لِسَانُهُ فَلَا يَسْأَلُ؟
أَتَعُودُ لِتُهِينَهُ عَلَنًا؟
أَمْ تُكْرِمُهُ لَحْظَةً… ثُمَّ تُسْقِطُهُ مِنْ أَعْلَى؟
لَا أَحَدَ يَعْلَمُ…
وَلَا هُوَ يَعْلَمُ،
لَكِنَّهُ بَاقٍ هُنَاكَ،
يَنْتَظِرُ…
يَنْتَظِرُ أَنْ تَعُودَ لَا لِيُشْفَى…
بَلْ لِيُذَلَّ كَمَا لَمْ يُذَلَّ مِنْ قَبْلُ.
هُنَيْدَةُ زَيْدَانَ









