
بقلم: وفاء ممدوح
الأم ليست مجرد كلمة صغيرة من ثلاثة أحرف، بل هي حياة كاملة تختصر في قلب نابض بالرحمة، وعين ساهرة بالحب، ويدين لا تعرفان الكلل. الأم قصيدة أبدية، وأغنية لا يمل القلب من ترديدها، وحكاية لا تنتهي مهما سردناها، لأنها تتجدد فينا مع كل نفس ومع كل لحظة.
منذ خطواتي الأولى، كانت أمي السند الذي يمسك بيدي لئلا أسقط، والابتسامة التي تبعث الطمأنينة في قلبي حين أبكي من وجع صغير أو خوف عابر. كانت تزرع في داخلي بذور الأمل، وتعلمني أن الحياة رغم قسوتها تحمل في طياتها لحظات تستحق أن نكافح من أجلها.
أمي لم تكن مجرد امرأة تمضي في حياتها بهدوء، بل كانت بطلة في قصة صامتة محفورة في قلبي بحروف من نور. أتذكر طفولتي الأولى، كيف كنت أستيقظ على صوتها وهي تدعو لي قبل أن أفتح عيني، وكيف كانت تملأ البيت دفئًا بضحكتها وهمساتها.
لم تكن الحياة سهلة، لكن بين يديها تحولت البساطة إلى غنى، والفقر إلى دفء، والهموم إلى ابتسامة حانية تزيل كل خوف.
كانت أمي شريكة أبي في رحلة كفاح طويلة، تتحمل عناء الأيام وتُخفي دموعها كي لا نرى ضعفها. كانت توزع وقتها بين أبنائها وزوجها وواجباتها، فلا تشتكي ولا تتذمر، وكأنها خُلقت من صبر لا ينفد.
وكلما كبُرت، أدركت أن الليالي التي قضتها ساهرة بجانبي وأنا مريض، كانت أعظم من كل هدية يمكن أن أقدمها لها، وأن كلماتها البسيطة: “أنا معك، لا تخف” كانت طوق النجاة الذي أنقذني في أصعب اللحظات.
في كل نجاح حققته، كان بريق عينيها هو أجمل مكافأة لي، وفي كل سقوط كنت أجدها أول من يمد يده ليرفعني من جديد، لا لتعاتبني، بل لتذكرني أن الفشل ليس نهاية الطريق.
لقد علمتني أمي أن الأخلاق أثمن من المال، وأن الرضا مفتاح السعادة، وأن الدعاء باب السماء المفتوح لا يُغلق أبدًا. علمتني أن الخير لا يضيع مهما صغر، وأن كلمة طيبة قد تزرع في القلب حياة بأكملها.
اليوم، وأنا أكتب عنها، أدرك أن الكلمات مهما طالت ستبقى عاجزة أمام عظمة قلبها. الأم ليست إنسانة عابرة في حياة أبنائها، بل هي العمر كله: هي البداية، والملاذ، والأمان، والجنة التي نمشي على أرضها. فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
“الجنة تحت أقدام الأمهات”.
اللهم احفظ أمي، وامنحها من العمر أطولَه، ومن الصحة أكملَها، واجعلني لها ابنة بارة تردّ بعضًا من جميلها. وإن غابت عن دنياي يومًا، فامنحها جنة عرضها السماوات والأرض، جزاءً لصبرها وعطائها.













