
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
بقلم: هند زيدان
المشهدُ الثاني عشرَ
” رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
كَانَ يَسِيرُ بِخُطًى مُتَرَنِّحَةٍ، يَحْمِلُ وَجْهًا لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُهُ.
لَمْ يَعُدْ فِيهِ إِلَّا ظِلٌّ يُسَاقُ، وَمَلَامِحُ مُسْتَهْلَكَةٌ مِنْ خَيْبَاتِ الرَّجَاءِ.
لَمْ تَعُدْ رَسَائِلُهَا تَأْتِيهِ مُتَتَابِعَةً كَمَا فِي الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ،
بَلْ تَصِلُ كَخُيُوطِ دُخَانٍ، رَمَادُهَا أَغْزَرُ مِنْ نَارِهَا. تَغِيبُ طَوِيلًا،
ثُمَّ تُرْسِلُ إِلَيْهِ سَطْرًا وَحِيدًا، يُوقِظُهُ مِنْ مَوْتِهِ الْمُؤَقَّتِ،
يَهَبُّ كَأَنَّ الْحَيَاةَ أُعِيدَتْ لَهُ مِنْ فَمِ الْمَلَاكِ، يَهْرُوَلُ حَيْثُ وَعَدَتْ… وَلَا تَكُونُ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، يَتَلَقَّى الرَّفْضَ نَفْسَهُ… تِلْكَ “لَا” الَّتِي تَحْفَظُهَا أَضْلَاعُهُ وَتَخْنُقُهُ…
وَتِلْكَ الضَّحْكَةُ النَّاعِمَةُ الَّتِي لَا يَسْمَعُهَا لَكِنَّهَا تُدْرِكُ تَمَامًا مَتَى تُرْسِلُهَا فِي دَاخِلِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ… لَا يَتَعَلَّمُ.
لَمْ تَعُدِ الرَّسَائِلُ تَتَحَدَّثُ عَنْ لِقَاءٍ؛ بَلْ عَنْ إِشَارَاتٍ لَا تُفْهَمُ، رُمُوزٍ غَامِضَةٍ لَا يَحْسُنُ فَكُّهَا،
عِبَارَاتٍ عَائِمَةٍ فِي فَضَاءٍ ضَبَابِيٍّ. تُخْبِرُهُ بِمَكَانٍ مَا… لَيْسَ وَاضِحًا،
لَا تَكْتُبُهُ، لَا تُسَمِّيهِ… فَقَطْ تَهْمِسُ:
“سَنَكُونُ … إِنْ وَصَلْتَ.”
فَيَبْقَى اللَّيْلُ يَعْصِرُهُ فِي خَرِيطَتِهِ، يَذْرَعُهُ طُولًا وَعَرْضًا، يَبْحَثُ عَنْ ظِلٍّ يُشْبِهُهَا،
عَنْ أَثَرٍ تَرَكَتْهُ، عَنْ عِطْرٍ عَلِقَ فِي مَلَامِحِ أَحَدِهِمْ… فَلَا يَجِدُ إِلَّا نَفْسَهُ.
يَرْكُضُ، يَتَعَثَّرُ، يَسْأَلُ الْمَلَامِحَ، وَالْأَبْوَابَ، وَالطُّرُقَ…
لَكِنَّ الْمَكَانَ لَيْسَ مَكَانًا، وَلَا الزَّمَانَ زَمَانًا.
وَهِيَ؟ هُنَاكَ، تُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ…
تَعْرِفُ جَيِّدًا كَيْفَ يَخْتَنِقُ حِينَ لَا يُقَالُ لَهُ أَيْنَ، وَكَيْفَ يُصْبِحُ أَنْفَاسًا عَلَى هَيْئَةِ رَجُلٍ.
لَقَدْ صَارَ خَاضِعًا، دُونَ عَقْدٍ، دُونَ شَرْطٍ.
دُمْيَةٌ فِي يَدِ سَيِّدَةٍ أَتْقَنَتِ اللَّعِبَ بِالظِّلَالِ.
تَعْرِفُ مَتَى تُرْخِي خَيْطَهُ وَمَتَى تَشُدُّهُ، إِنْ أَرَادَتْ أَطْلَقَتْهُ كَالسَّهْمِ،
وَإِنْ مَلَّتْ، تَرَكَتْهُ يَتَخَبَّطُ فِي فَرَاغِ الْغِيَابِ. وَهُوَ… لَا يَزَالُ يُحِبُّ أَنْ يُجَرَّ.
لَقَدْ سَقَتْهُ كَأْسَ الذُّلِّ قَطْرَةً قَطْرَةً…
حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الطَّاعَةَ عِشْقٌ، وَالْخُضُوعَ رُجُولَةٌ، وَانْتِظَارَ الرِّسَالَةِ مَجْدٌ،
كَأَنَّهُ اسْتَبْدَلَ تَاجَهُ بِسِلْسِلَةٍ، وَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا عَلَى أَنْ يُحْرَمَ مِنْ رُؤْيَاهَا… وَإِنْ لَمْ تَأْتِ.
وَالْيَوْمَ… قِيلَ إِنَّهَا سَتَعُودُ، رِسَالَةٌ خَاطِفَةٌ، لَا أَكْثَرَ.
“سَآتِي… رُبَّمَا.”
وَهَا هُوَ يَقِفُ أَمَامَ احْتِمَالَاتِ الْكَوْنِ، لَا يَدْرِي… إِنْ عَادَتْ،
هَلْ يَكُونُ رَجُلًا؟ أَمْ أَنَّ الذُّلَّ الَّذِي شَرِبَهُ سَيَجْعَلُهُ يَرْكَعُ،
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مَنْ تَعُودُ؟ أَيَرْفَعُ رَأْسَهُ،
أَمْ يُطَأْطِئُهُ أَكْثَرَ؟ أَيُّهُمَا الرَّجُلُ؟ الرَّاحِلُ أَمِ الرَّاجِعُ؟ أَهِيَ تُذِلُّهُ…
أَمْ أَنَّهُ وَجَدَ لَذَّتَهُ فِي الِانْكِسَارِ؟ هَلْ إِذَا عَادَ إِلَيْهَا، يَتَحَدَّثُ هُوَ؟
أَمْ تَصْمُتُ بِهِ لِتَتَكَلَّمَ وَحْدَهَا؟ هَلِ الْقَرَارُ بِيَدِهِ… أَمْ بِيَدِهَا؟ هَلْ مَا زَالَ يَمْلِكُ رُجُولَتَهُ…
أَمْ أَنَّهُ سَلَّمَهَا لَهَا طَوْعًا؟
ضَاعَتْ بُوصَلَةُ رُجُولَتِهِ كُلُّهَا، مَا عَادَ يَعْرِفُ مَنْ يَمْلِكُ زِمَامَ الْأَمْرِ!
هُوَ الَّذِي هَدَّ الْبُيُوتَ يَوْمًا بِكَلِمَةٍ… صَارَ يُذْعِنُ لِرِسَالَةٍ دُونَ تَوْقِيعٍ.
رُبَّمَا كَانَتْ فَقَطْ رِسَالَةً أُخْرَى… تَتْرُكُهُ يَرْكُضُ نَحْوَ سَرَابٍ جَدِيدٍ،
يَرْكَعُ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ… مِنْ جَدِيدٍ.
وَإِنْ عَادَتْ… أَيُصْلِحُ الْعَطَبَ مَنْ صَارَ جُزْءًا مِنْ كَسْرِهِ؟
أَمْ يَبْقَى رَاكِعًا، لَا عِنْدَ قَدَمَيْهَا، بَلْ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ؟
……….. تَمَّتْ!
هُنَيْدَةُ زِيْدَانَ













