
“رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
بقلم:هند زيدان
المشهدُ الحادي عشرَ
“رُكوعٌ عندَ بوابةِ الكبرياءِ”
ظَلَّ يَجُوبُ الْأَرْضَ بِخُطًى مُتَخَبِّطَةٍ،
يَطْرُقُ الْمُدُنَ كَمَا يَطْرُقُ قَلْبَهُ الْوَجَعُ…
يَرْكُضُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، يَبْحَثُ عَنْهَا فِي وُجُوهِ الْعَابِرِينَ،
فِي نِدَاءَاتِ الْأَطْفَالِ، فِي نَظَرَاتِ النِّسْوَةِ الْعَائِدَاتِ مِنَ الْأَسْوَاقِ،
فِي الْغُرُوبِ حِينَ يُنْذِرُ بِالْغِيَابِ، وَفِي الْفَجْرِ حِينَ يُوهِمُ بِالْوَعْدِ… وَلَا مُجِيبَ.
لَمْ تَتْرُكْ لَهُ وِجْهَةً مُحَدَّدَةً، بَلْ غَادَرَتْ كَمَا تُغَادِرُ الْأَشْبَاحُ… بِلَا خُطًى، بِلَا أَثَرٍ.
يَعْرِفُ اسْمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي وَرَدَتْ مَرَّةً فِي أَحَادِيثِهَا؛ لَكِنَّ الْمَدِينَةَ بِلَا قَلْبٍ يَدُلُّهُ…
وَالنَّاسُ هُنَاكَ لَا يَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ تِلْكَ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا بِهَوَسٍ مَكْتُومٍ.
مَرَّتِ الْأَيَّامُ… وَعَيْنَاهُ لَمْ تَغْمُضَا، لَا شَبِعَ مِنْ نَوْمٍ، وَلَا شَبِعَ مِنْ أَلَمٍ.
حَتَّى وَصَلَهُ مِنْهَا هَمْسٌ رَقْمِيٌّ، كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ تُشْبِهُ خُيُوطَ دُخَانٍ…
قَالَتْ لَهُ:
“إِنْ كُنْتَ تَشْتَاقُ، فَتَقَدَّمْ… لَعَلَّكَ تُصَادِفُ ظِلِّي عِنْدَ الْمَعْبَرِ الرَّمَادِيِّ.”
وَانْقَادَ…
انْقَادَ كَمَا يُسَاقُ الْمُشْتَاقُ إِلَى وَهْمٍ يُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ،
جَاءَ… كَمَا أَمَرَتْهُ، وَكَمَا أَمَرَتْهُ مِنْ قَبْلُ،
وَجَاءَ مَعَهُ الْغُرَبَاءُ… الشُّهُودُ… الْحُكَّامُ…
ظَنَّهَا سَتَعُودُ…
ظَنَّهَا سَتَفْتَحُ لَهُ بَابَهَا، وَتَسْتَقْبِلُهُ بِطِفْلٍ نَسِيَ مَلَامِحَهُ.
لَكِنَّهَا، كَمَا فَعَلَتْ كُلَّ مَرَّةٍ، قَالَتْ لَهُ:
“لَا… لَا…”
قَالَتْهَا بِبُرُودٍ يُطْفِئُ آخِرَ أَنْفَاسِ الرَّجَاءِ.
وَهُوَ؟
لَا يَتَعَلَّمُ…
كُلَّمَا نَبَذَتْهُ عَادَ، وَكُلَّمَا طَرَدَتْهُ اشْتَاقَ،
وَكُلَّمَا أَوْهَمَتْهُ بِالرَّحْمَةِ جَثَا،
وَكُلَّمَا وَعَدَتْهُ بِالْعِنَاقِ… خَنَقَتْهُ!
ذَاكَ الَّذِي ظَنَّ نَفْسَهُ رَجُلًا…
ذَاكَ الَّذِي أَدَارَ الْبَيْتَ، وَمَلَكَ الْقَرَارَ،
أَصْبَحَ الْيَوْمَ دُمْيَةً مِنْ قَشٍّ فَارِغٍ، تَتَحَكَّمُ بِهَا أَصَابِعُ أُنْثَى أَتْقَنَتْ فَنَّ التَّحْرِيكِ.
هِيَ تَعْرِفُ كَيْفَ تُدِيرُهُ، كَيْفَ تَكْسِرُ عَيْنَيْهِ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَهَا،
تَعْرِفُ مَتَى تَجْعَلُهُ يَتَقَدَّمُ بِخُطَاهُ الْمَذْعُورَةِ، وَمَتَى تَتْرُكُهُ عَلَى أَعْتَابِهَا كَكَلْبٍ فَقَدَ مَأْوَاهُ.
تُدِيرُ قَلْبَهُ كَمَا يُدَارُ الْمِفْتَاحُ فِي قُفْلٍ صَدِئٍ…
تَفْتَحُهُ حِينَ تَشَاءُ، وَتُغْلِقُهُ إِذَا مَا اسْتَشْعَرَتْ كِبْرِيَاءَهُ يَنْهَضُ مِنْ رَمَادِهِ.
وَلَا يُبْدِي مُقَاوَمَةً… لِأَنَّهُ يَعْرِفُ:
كُلُّ الْأَبْوَابِ الْأُخْرَى… تُغْلَقُ دُونَهُ.
وَلَمْ يَعُدْ يَشْتَهِي فِي حَيَاتِهِ شَيْئًا…
سِوَى أَنْ تَفْتَحَ لَهُ بَابَهَا الْمُغْلَقَ،
لِيُهِينَ نَفْسَهُ هُنَاكَ،
وَيَكْتَفِي!
هُنَيْدَةُ زِيْدَانَ













