أدبيثقافة

تَعْليقي عَلَى قِصَّةِ رُكُوعٍ  عِندَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ  هِنْدَ زِيدَان

 

تَعْليقي عَلَى قِصَّةِ رُكُوعٍ  عِندَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ

 هِنْدَ زِيدَان

 

 

الْـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِإِتْمَامِ هَذِهِ الْـمَشَاهِدِ، فَكَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى شَهِيقٍ خَافِتٍ فِي رِئَةِ الصَّبْرِ،

وَزَفِيرٍ مَرِيرٍ مِنْ فَمِ الْكَرَامَةِ…

وَهُنَا، لَا نَكْتُبُ خَيَالًا مُفْرَّغًا؛ بَلْ نَرْسُمُ سُؤَالًا يَتَسَلَّلُ إِلَى وَاقِعٍ مُعَاصِرٍ،

مُغَمَّسٍ بِمَاءِ الذُّلِّ وَالتَّشَوُّهِ النَّفْسِيِّ، حَيْثُ انْقَلَبَتِ الْآيَةُ.

 

فِي الْبِنَاءِ الرَّبَّانِيِّ لِلْأُسْرَةِ، الرَّجُلُ سَنَدٌ وَقُوَّةٌ وَقِيَادَةٌ، لَا تَسَلُّطَ وَلَا اسْتِضْعَافَ.

وَالْمَرْأَةُ سَكَنٌ وَرَحْمَةٌ وَدِفْءٌ وَاحْتِوَاءٌ، لَا تَمَرُّدَ وَلَا كِبْرَ وَلَا اسْتِغْلَالَ لِمَوَاضِعِ الضَّعْفِ.

الرَّجُلُ فِي الْإِسْلَامِ قِوَامٌ لَا قَهْرٌ، قُدْوَةٌ لَا قَسْوَةٌ، عَطَاءٌ لَا انْتِزَاعٌ، حِكْمَةٌ لَا صُرَاخٌ…
يَتَقَدَّمُ لَا لِيَسْتَعْبِدَ؛ بَلْ لِيَمْنَحَ الْأَمَانَ.

وَالْمَرْأَةُ فِي شِرْعَةِ الرَّحْمَنِ أُنْثَى بِأَتَمِّ مَعَانِيهَا، فِي ضَعْفِهَا سِرُّ جَمَالِهَا،

وَفِي حَاجَتِهَا لِضِلْعِهِ الْأَيْسَرِ رِفْعَةٌ لَا انْتِقَاصَ.

الْمَرْأَةُ السَّوِيَّةُ تَتَبَاهَى بِضَعْفِهَا بَيْنَ يَدَيْ مَنْ يُحِبُّهَا، لَا تَخْجَلُ مِنْ دَمْعَةٍ، وَلَا تُنْكِرُ ارْتِبَاكًا…

 

فَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ رُجُولَتَهُ الْـحَقَّةَ لَا تَسْتَلِذُّ بِانْكِسَارِهَا؛ بَلْ تَنْهَضُ كُلَّمَا رَآهَا تَنْكَسِرُ،

وَتَشْتَدُّ حِينَ تَمِيلُ، كَغُصْنِ وَرْدَةٍ يَمِيلُ لِرِيحٍ رَقِيقَةٍ، لَا يَنْكَسِرُ… بَلْ يَزِيدُ بَهَاءً.

 

 

أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي اسْتُرْجِلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمِ الْقِيَادَةَ لِأُنْثَى، بَلْ تَخَلَّى عَنْهَا بِنَفْسِهِ…
وَهَذَا مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّةِ.

لَقَدِ انْقَلَبَتِ الْآيَةُ.
أَيْنَ قُوَّتُهُ؟
أَيْنَ كَلِمَتُهُ؟
كَيْفَ رَضِيَ بِالْخَيْطِ أَنْ يُدَارَ بِهِ كَمَا يُدَارُ الْهَزِيلُ الْأَخْرَسُ؟
وَأَيْنَ رِقَّتُهَا؟
أَيْنَ دَمْعَتُهَا؟
أَيْنَ مَوَاضِعُ الْـحَيَاءِ؟
كَيْفَ تَخَلَّتْ عَنْ أُنُوثَتِهَا لِتُجِيدَ فَنَّ الْقَهْرِ؟

فِي هَذِهِ الْـمَشَاهِدِ، لَمْ يَكُنِ الرُّكُوعُ حُبًّا، وَلَا طَاعَةً، وَلَا حَتَّى خَوْفًا…

بَلْ ذُلٌّ مُرٌّ مُـمِضٌّ، وَرُكُوعٌ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ، لَا يُحْسِنُ فِيهِ أَحَدُهُمَا الدَّوْرَ.

الْـحَيَاةُ السَّوِيَّةُ حِينَ تَتَّخِذُ الْإِسْلَامَ مَنْبَعًا، لَا تَنْشَأُ فِيهَا هَذِهِ الصُّوَرُ.

فَفِي الْإِسْلَامِ، لَا تُكْسَرُ الْـمَرْأَةُ لِتُطِيعَ، وَلَا يُهَانُ الرَّجُلُ لِيَرْضَى.
بَلْ يَسْكُنَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا، يَرِقُّ أَحَدُهُمَا عِنْدَ قَسْوَةِ الْآخَرِ،

وَيَرْتَفِعُ إِذَا سَقَطَ، وَيُرَبِّتُ إِذَا اهْتَزَّ، وَيَحْضُنُ حِينَ يَرْتَجِفُ.

 

فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا بَكَتِ الْـمَرْأَةُ فِي حَضْرَةِ زَوْجِهَا،

شَعَرَ أَنَّهُ أَقْوَى رَجُلٍ فِي الْعَالَمِ؛ لِأَنَّهُ يُمْسِكُ قَلْبًا لَا جَسَدًا،

 

وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: “أَخَافُ”، لَمْ يَبْتَزَّ خَوْفَهَا؛ بَلْ أَطْفَأَهُ، وَإِنْ أَطَالَتِ السُّكُوتَ، أَنْصَتَ لِنَبْضِهَا لَا لِكَلَامِهَا.

 

لَكِنْ هُنَا… تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
كَانَتْ هِيَ الْـمُتَحَدِّثَةَ، وَكَانَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ فِي حَضْرَةِ الصَّمْتِ فَقَطْ، حِينَ رَضَخَ.

لَمْ تُحْسِنْ هِيَ فَنَّ الْأُنُوثَةِ، وَلَمْ يُحْسِنْ هُوَ فَنَّ الرُّجُولَةِ…
فَلَا الْعَطَاءُ عَطَاءٌ، وَلَا الِاحْتِوَاءُ احْتِوَاءٌ… بَلْ عُبُودِيَّةُ نَفْسٍ، وَكَسْرَةُ كِبْرِيَاءٍ.

وَهَكَذَا… انْقَلَبَتِ الْآيَةُ، فَانْطَفَأَتْ مَعَانِي الرُّجُولَةِ فِي قَلْبِ رَجُلٍ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَحْتَضِنَ أُنُوثَتَهَا،

لَا أَنْ يَنْكَسِرَ بَيْنَ يَدَيْهَا.
وَأَمَّا هِيَ، فَغَلَبَهَا الْجَبَرُوتُ، حَتَّى اخْتَنَقَتْ مِنْهَا مَعَانِي الرِّقَّةِ،

وَتَنَكَّرَتْ لِفِطْرَتِهَا… فَحَمَلَتْ سَيْفَ الْقَسْوَةِ لَا لِتَعْدِلَ؛ بَلْ لِتَقْهَرَ.

 

لَمْ يَكُنْ هَذَا ضَعْفًا مَحْمُودًا يُحْتَوَى، وَلَا قُوَّةً رَاقِيَةً تُحْتَرَمُ،

بَلْ خَلَلًا تَرْبَوِيًّا وَنَفْسِيًّا تَشَوَّهَتْ مَعَهُ مَلَامِحُ الْعَلَاقَةِ، وَتَبَدَّلَتْ فِيهِ الْأَدْوَارُ.

 

الْـمَرْأَةُ السَّوِيَّةُ، كَمَا أَرَادَهَا الْإِسْلَامُ، أُنْثَى تُظْهِرُ ضَعْفَهَا بِصِدْقٍ،

فَيُشْرِقُ فِي زَوْجِهَا مَعْنَى الرُّجُولَةِ، فَيُمْسِكُ بِيَدِهَا، وَيَحْتَوِيهَا بِحَنَانٍ،

فَتَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ، وَيَزْدَانَ بَيْتُهَا بِالسَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

وَالرَّجُلُ السَّوِيُّ فِي الْإِسْلَامِ… لَا يَرْضَى الذُّلَّ، وَلَا يَتَّبِعُ امْرَأَةً فِي كُلِّ إِشَارَةٍ؛

بَلْ يَحْنُو دُونَ أَنْ يُهَانَ، وَيَقُودُ دُونَ أَنْ يَبْطِشَ، وَيَرْتَفِعُ بِحِلْمِهِ لَا بِخُنُوعِهِ،

 

فَإِنْ فَقَدَ زِمَامَ نَفْسِهِ لِأَجْلِ أَنْ يُرْضِيَ امْرَأَةً مُتَسَلِّطَةً، فَلَا هُوَ رَجُلٌ، وَلَا هِيَ امْرَأَةٌ كَمَا يَنْبَغِي.

 

لَقَدْ شَوَّهَتْ هَذِهِ الْعَلَاقَةُ مَعَانِيَ السَّكَنِ، وَسَحَقَتِ الْكَرَامَةَ،

وَسَادَ فِيهَا الْخَلَلُ، حَتَّى أَصْبَحَتْ أُنْثَى بِلَا أُنُوثَةٍ، وَرَجُلًا بِلَا رُجُولَةٍ.

 

هَذِهِ الْقِصَّةُ لَا تُقْرَأُ بِوَصْفِهَا حِكَايَةَ امْرَأَةٍ جَبَّارَةٍ أَوْ رَجُلٍ خَانِعٍ،

بَلْ صَرْخَةً فِي وَجْهِ التَّشَوُّهِ الْعَاطِفِيِّ حِينَ يَفْقِدُ الدِّينُ مَوْقِعَهُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ.

 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ:
هَلْ سَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا؟ أَمْ عَبْدًا مَأْمُورًا؟
هَلْ سَيَكُونُ لَهُ كَلَامٌ بَيْنَ الرِّجَالِ، أَمْ أَنَّهَا الْـمُتَحَدِّثَةُ الْوَحِيدَةُ؟
هَلِ الْقَرَارُ بِيَدِهَا؟ أَمْ بِيَدِهِ؟

لَا نَعْلَمُ…
وَلَكِنْ، مَا عَلِمْنَاهُ، أَنَّ الْـمَشْهَدَ الْأَخِيرَ، لَا عُنْوَانَ لَهُ أَصْدَقُ مِنْ:
“رُكُوعٌ عِنْدَ بَوَّابَةِ الْكِبْرِيَاءِ”
وَفِي رَأْيِي، مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْأَيَّامَ سَتُصْلِحُ مَا أَفْسَدَهُ الْاعْوِجَاجُ، فَوَاهِمٌ…
هِيَ لَنْ تَتَنَازَلَ…
وَهُوَ سَيَظَلُّ تَابِعًا.

تَحِيَاتِي لَكُمْ هِنْدَ زِيدَان

حنان الشيمي

كاتبة صحفية وروائية مصرية، خريجة جامعة الأزهر. لها مساهمات كثيرة في عدد من الصحف الإلكترونية والجرائد، وتركّز في كتاباتها على قضايا المرأة، الأسرة، والعلاقات الإنسانية. صدر لها العديد من الروايات والكتب الدينية، التي تجمع بين الطرح الأدبي والمعالجة الفكرية. إلى جانب نشاطها الصحفي والأدبي، تشارك في تقديم محاضرات وندوات تثقيفية في مجالي الصحة النفسية والسيرة النبوية. المستشار الفني لجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي