
ألوان تفتقد معناها
بقلم: أسماء سعد
الحياةُ قديمًا كانت لوحةً ضيقةَ الألوان، لكنها مغمورة بالسكينة والرضا. كان الناس يرون الجمال في زرقة السماء وصفاء النهر، وفي خضرة الحقول التي تُعانق أعينهم كل صباح. لم يكن الأبيض مجرد لون، بل رمزًا للنقاء، ولم يكن الأسود حجابًا للظلام، بل ستارًا للطمأنينة والوقار. حتى ألوان البيوت الطينية والحوائط البسيطة كانت تحمل حرارةً إنسانية لا تخطئها العين ولا يضيعها القلب.
في الأمس، كانت العين تتعلم من الطبيعة؛ فشروق الشمس يكفي ليضيء القلب، وغروبها يرسم على الروح ملامح الشوق والتأمل. الألوان قليلة، لكنها صافية، تبث في النفس يقينًا بالمعنى، وتربط الإنسان بعالمه ربطًا عميقًا.
أما اليوم، فقد انفتحت أمامنا أبواب لا تنتهي من الألوان، انفجرت في وجوهنا عبر الشاشات والإعلانات وأضواء المدن. صارت الأزرق شاشةً تلمع أكثر مما صار سماءً، وصار الأحمر إعلانًا صاخبًا أكثر مما صار دفئًا في قلب عاشق. الألوان تعددت وتكاثرت، لكنها فقدت شيئًا من صدقها الأول، وغدت أكثر بهرجةً وأقل عمقًا.
والحقّ أن الاختلاف لم يكن في الألوان وحدها، بل في عيوننا نحن. فقديـمًا كنا نرى في الرمادي جمالًا، ونقرأ في التراب حياةً، ونشعر في الظلال بحكاية صامتة. واليوم، نغرق بين آلاف الألوان، لكننا نعجز أحيانًا عن أن نلمح جوهرها.
إنها المفارقة الكبرى: لوحة الأمس كانت فقيرة في طيفها، لكنها غنية بالمعنى. ولوحة اليوم ملأى بالألوان، لكنها قد تفتقر إلى الدفء والمعنى.
ولعل أعظم ما نتعلمه من المقارنة أن الجمال ليس فيما تراه العين من طيف متنوع، بل فيما يسكب القلب من معنى وراء كل لون. فالألوان، مهما اختلفت، لا تمنح الحياة قيمتها إلا إذا رآها الإنسان بعين الرضا والامتلاء.













