مقالات متنوعة
أخر الأخبار

ربَّ أخٍ لم تلده أمي

 

بقلم: وفاء ممدوح

 

رُبَّ أخٍ لم تلده أمي.. جملةٌ تختصر دهشة الحياة حين تُهديك قلبًا يشبه قلبك، وروحًا تُعانق روحك بلا دمٍ ولا نسب. هناك، في مفترقات العمر، يظهر من يبدّد وحشتك كالفجر، ويُضيء عتمتك كالقمر، ويُربّت على روحك المنهكة كما لو كان خُلق لأجلها.

 

الأخ الحقيقي ليس دائمًا من جمعك به رحم، بل من جمعك به صدق اللحظة وحرارة الموقف. قد تلتقيه صدفةً في ممرّ ضيّق من دروب الحياة، فيغدو مع الأيام وطنًا صغيرًا، وسندًا كبيرًا، ورفيقًا يرافقك كظلك، لا تفرقه عنك الأزمات ولا تُبعده المسافات.

ما أعذب أن تجد من يقرأ حروف حزنك في صمتك، فيفهمك قبل أن تنطق، ويُشاركك أفراحك دون حساب. أخوَّته لا تُكتب في أوراق العائلة، لكنها تُنقش في صميم القلب، تُختبر في المِحن، وتزدهر في الشدائد. هو ذاك الذي يراك مكسورًا، فلا يشمت بك، بل يجمع شتاتك قطعةً قطعة، ويُعيدك أقوى مما كنت.

 

الأرواح لا تحتاج إلى نسب كي تتآلف؛ يكفيها أن تلتقي على صِدق. وكم من غريبٍ صار أقرب إلينا من إخوة الدم، وكم من قريبٍ بالدم تباعدت أرواحنا عنه حتى صار غريبًا! فالدم قد يجمع الأجساد، أما المحبة فتجمع الأرواح، والوفاء يصنع أخوّة لا تُقاس.

 

أولئك الذين تهبهم لنا الحياة إخوةً من اختيار، هم كالأشجار الوارفة في صحراء العمر؛ نستظل بظلهم حين يحمينا العالم، ونستمد منهم القوة حين يُنهكنا التعب. وجودهم نعمة، وحبهم حياة، ووفاؤهم كنز لا يُفنى.

 

فلنرفع أيدينا شكرًا لله على كل أخ لم تلده أمنا، لكنه وُلد في قلوبنا، وبقي فيها ما بقي العمر. هؤلاء هم الشعر الحقيقي للحياة، والقصيدة التي لا تنتهي، والبيت الذي نلوذ به من برد الأيام ورياحها.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي