
امرأة ترتدي جميع النساء
بقلم: أسماء سعد
إنها ليست امرأة تُحصر في اسم أو عمر أو ملامح. هي كائن يتسع بقدر ما تضيق الأرض، ويكبر كلما حاول الآخرون أن يصغروه. إنها “المرأة الجامعة” التي تُجسّد في داخلها وجوه النساء جميعًا: امرأة من لحم ودم، لكنها في حقيقتها كتاب مفتوح على صفحات لا تنتهي.
حين تتأملها، تكتشف أن كل امرأة رأيتها من قبل موجودة فيها: أمّك في حنانها، أختك في حزمها، صديقتك في مرحها، حبيبتك في جنونها، جدتك في صبرها، وابنتك في أحلامها. إنها لا تعيش حياة واحدة، بل حيوات كثيرة متداخلة.
هي أحيانًا شجرة لها جذور في أعماق الأرض، تمثل المرأة الأولى التي زرعت الحب في الكون. وأحيانًا أخرى تتحول إلى نهر يجري في صمت، لكنه يغيّر تضاريس الصخور من تحته. إنها الأرض والسماء، البداية والنهاية، الطفولة والشيخوخة، الصمت والصرخة، الحضور والغياب.
كلما حاولت أن تفك سرها، تفاجئك بوجه جديد. تجلس أمامك فتظنها مطمئنة، بينما بداخلها ثورة لا تُهدأ. تبتسم فتخالها فرحة، بينما في أعماقها دموع أجيال. تنكسر مرة، فتقوم في المرة التالية وكأنها لم تُهزم قط.
امرأة ترتدي جميع النساء، تحمل في صوتها أنين امرأة لم تُسمع يومًا، وضحكة أخرى خبّأتها الحياة بعيدًا. إنها مرايا متقابلة، كلما نظرت إليها رأيت امرأة مختلفة، لكنها في النهاية كلها هي.
ولأنها ترتدي الجميع، فهي تعرف الجميع: تعرف ألم الأرملة، وفرح العروس، وحيرة المراهقة، وسكون العجوز. تعرف كيف تهدهد طفلًا، وكيف تشعل حربًا، وكيف تخمد نارًا، وكيف تبني بيتًا من رماد.
هي ليست رمزًا، ولا صورة مثالية، بل هي تناقض حيّ. تجتمع فيها قوة الجبال وضعف الورود، صفاء الماء وغموض الليل. هي ليست كاملة، لكنها في نقصها تكتمل، وليست مطلقة، لكنها في حدودها لا تُحد.
إنها امرأة كل النساء، ومن خلالها نعرف أن المرأة ليست فردًا، بل جماعة متصلة من الأرواح، وأن كل واحدة منهن تكمل الأخرى. إنها “المجموعة” التي لا تفنى، لأنها دائمًا تعيد ولادة نفسها من جديد.













