مقالات متنوعة
أخر الأخبار

العبقرية بنت البيئة لا الأصول.. تُثمر حيث تُروى.. فهل نتعلم الدرس!!

العبقرية بنت البيئة لا الأصول.. تُثمر حيث تُروى.. فهل نتعلم الدرس!!

 

بقلم: د. أحمد النجار 

 

الفشل يتيم.. والنجاح له 100 أب وأم

مبارك لأمريكا فوز العالم عمر ياغي بجائزة نوبل، فذلك المجد لم يأتِ من فراغ، بل وُلد في بيئةٍ تُكرّم العلم وتُقدّر الباحث، وتفتح للمبدعين أبواب التجربة والاختبار. هناك حيث يجد العالِم من يدعم فكرته لا من يُطفئها، ومن يُمكّنه لا من يُعطله.

 

لسنا بحاجةٍ إلى أن نلصق كل إنجازٍ بالعروبة أو الأصول، فالعقل لا يثمر إلا في التربة التي تُرويه. ولو بقي عُمر في بيئةٍ فقيرةٍ في أدوات البحث، لربما ظل حلمه حبيس الأوراق والذكريات.

 

لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن في مصر والوطن العربي طاقاتٍ علمية هائلة، وعقولًا نادرة لو أُتيح لها ما أتيح لغيرها من دعمٍ وتمويلٍ وحريةٍ في البحث، لأعطت الكثير والكثير، ولرأينا أسماءً عربية تتصدر الجوائز العالمية عامًا بعد عام.

 

الدرس الأعمق هنا أن العبقرية لا تكفي وحدها؛ فهي تحتاج إلى بيئةٍ حاضنة، ومناخٍ يُنبت الفكر، ويُثمر الإبداع.

فالعقل كالبذرة، لا تُزهر إلا إذا وُضعت في التربة التي تستحقها، وإن لم تجد هذه البذرة التربة الخصبة، ماتت قبل أن تُثمر، أو ربما نبتت ضعيفةً لا تقوى على الصمود أمام الرياح.

ولعلّ من المؤلم أن نرى أبناءنا المبدعين يغادرون أوطانهم بحثًا عن مكانٍ يُقدّر ما يحملونه من علمٍ وشغف، وكأن الهجرة أصبحت شرطًا من شروط النجاح. تلك ليست صدفة، بل نتيجة تراكمات من الإهمال الإداري، وضعف التمويل، والبيروقراطية التي تخنق الحلم قبل أن يبدأ.

كم من فكرةٍ عظيمةٍ وُئدت في مهدها لأن صاحبها لم يجد من يؤمن بها!!

وكم من شابٍ موهوبٍ انطفأ بريقه لأنه لم يجد من يحتضن طموحه!!

في المقابل، نجد أن الدول التي تُكرّم العلماء وتستثمر في العقول لا تُقدّم لهم مجرد وظائف، بل تمنحهم فضاءً واسعًا للتجريب، وخططًا استراتيجية لتمويل الأبحاث، وتُحوّل الأفكار إلى مشاريع تُغيّر وجه العالم.

العبقرية لا تحتاج إلى واسطة، لكنها تحتاج إلى نظامٍ يُعلي من قيمة الكفاءة. تحتاج إلى تعليمٍ يُنمّي الفضول لا الحفظ، وإلى جامعاتٍ تُشعل الفكر لا تُطفئه بالروتين.

نحن بحاجةٍ إلى أن نعيد بناء منظومةٍ تُكرّم الباحث، لا أن تهمّشه، تُشجّع على السؤال لا أن تُعاقب عليه، تُكافئ الخطأ الذي يُولّد المعرفة لا أن تُعاقب عليه بالعزلة أو السخرية.

 

حينها فقط يمكن أن نقول إننا تعلمنا الدرس.

أن ندرك أن الاستثمار في العقول هو أعظم استثمار، وأن العلم ليس رفاهيةً بل ضرورة وجود.

فالدول لا تُبنى بالحجارة، بل تُبنى بالعقول التي تُبدع وتبتكر وتُعلّم.

إن تكريم العلماء لا يكون بالتصفيق بعد الرحيل، بل بصناعة بيئةٍ تجعلهم يزدهرون وهم بيننا.

أن نوفر لهم المعامل، والتمويل، والاحترام، وأن نحميهم من الإحباط والبيروقراطية واللامبالاة.

حين نغرس في أبنائنا الإيمان بأن البحث العلمي رسالة، وأن المبدع قيمة وطنية لا عبئًا، سنجني ثمار ذلك تقدمًا وازدهارًا.

فلننظر إلى تجربة عمر ياغي لا كمجدٍ شخصي، بل كجرس إنذارٍ لنا جميعًا..

إما أن نصنع بيئتنا العلمية بأيدينا، أو نظل نحتفل بإنجازات أبنائنا في بلادٍ أخرى.

فالعبقرية لا تعرف وطنًا، لكنها تزدهر فقط في الأوطان التي تعرف قيمة العقل.

 

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي