مقالات متنوعة
أخر الأخبار

عندما تحوّل الكرتون من لعب إلى تربية

هل يُعلم أطفالنا القيم أم يُشوّه فطرتهم؟

عندما تحوّل الكرتون من لعب إلى تربية

هل يُعلم أطفالنا القيم أم يُشوّه فطرتهم؟

 

بقلم: رشا علواني 

 

في عالم الطفولة، يُعد الكرتون أكثر من مجرد ترفية؛ إنه مدرسة صغيرة تعلم اللغة، القيم، وتشكّل مخيلة الطفل منذ نعومة أظافره. نشاهد أطفالنا يجلسون بسحر أمام شاشات التلفاز أو الأجهزة اللوحية، تلتهمهم القصص والشخصيات، فتنساب الرسائل بينهم كما تُسري المياه.

لكن، ماذا لو أصبحت بعض هذه الرسائل تُخلّ بالقيم، وتُشوش الهوية؟ هل يمكن أن يكون الكرتون وسيلة لنشر ممارسات لا تتماشى مع ثقافتنا وديننا، مثل الترويج للمثلية الجنسية، أو تمجيد العنف أو السلوكيات المشبوهة؟ هذا المقال يحاول أن يفتح النقاش بوضوح، مستندًا إلى دراسات، آراء أهلية، وتأملات تربوية.

 

أولًا: لماذا الكرتون مهم جدًا في تكوين الطفل؟

مرحلة البرمجة الأولى

السنوات الأولى من عمر الطفل هي الفترة التي يُكوِّن فيها المفاهيم الأساسية عن العالم: من أين أتى؟ ما هو الرجل؟ ما هي المرأة؟ كيف تُعامل الناس بعضهم البعض؟ الكرتون، بفضل الصور، الألوان، الأصوات، يدخل هذه المراحل مباشرة ويُترك أثراً أكبر مما يتصور الكثيرون.

الجاذبية والتلقائية

الرسوم المتحركة تفعل ما لا يستطيع المرء فعله في الواقع بسهولة: تشويّق، تسلية، مفاجآت، سخرية، حبكة خيالية، والتواصل البصري الشديد. الطفل لا يفكر كثيرًا: يشاهد، يتفاعل، يقلّد، يُحبذ.

المصداقية الافتراضية

حتى لو كان الكرتون مبالغًا أو خياليًا، الطفل غالبًا لا يُميز بين الواقع والخيال تمامًا في مراحل مبكرة، فيميل لتصديق ما يرى، أو على الأقل يُقبل منطق “هذا ممكن في العالم” ويؤثر على وجهة نظره.

 

ثانيًا: الشواغل المرتبطة بالمحتوى “غير السوي” في بعض الكرتونات

 

مصطلح “غير سوي” يُستخدم هنا من منظور القيم الدينية، الأخلاقية، والاجتماعية السائدة في المجتمعات العربية، ويشمل:

1. المثلية الجنسية

بعض الرسوم المتحركة أو الكتب المدرسية تتضمن شخصيات أو رسائل تتعلق بـ LGBT — مثلاً وجود عائلات مكوَّنة من والدين من نفس الجنس، أو تمثيل مشاهد تُفهم على أنها ترويج للعلاقات المثلية. 

2. الإيحاءات الجنسية والتحرّش

من خلال المزاح، الإيماءات، أو تصرفات تُعرض كأنها طبيعية رغم أنها تحمل إيحاءات جنسية، أو حتى كأنها جزء من الكوميديا (“يتلمّس”، “تقبيل” خفيف، المزاح على جسد الآخر). هذه الأشياء — حتى لو كانت “خفيفة” — تشكّل مفاهيم لدى الطفل عن ما هو مقبول وما ليس مقبولًا.

3. المحتوى الذي يتناقض مع القيم الدينية / الأخلاقية

مثل تمجيد العلاقات الشبابية غير الشرعية، التحدّي للقيم الأسرية، وقد تُعرض بعض الأدوار الجنسية أو الهوية الجنسية بطريقة تُشتّت هوية الطفل الدينية أو الثقافية.

ثالثًا: دلائل ودراسات واقعية

في مصر، تم تقديم شكوى ضد مدرسة ألمانية في القاهرة بزعم أنها تُدرّس المثلية في كتاب أحياء للصف السادس الابتدائي، مما أثار رد فعل رسمي من وزارة التربية والتعليم. 

 

كذلك، هناك تقارير عن كتب مدرسية (إنجليزية غالبًا) تظهر صورًا لعائلات مُختَلِفة التكوين، فيها أبوين من نفس الجنس، الأمر الذي أثار جدلاً واسعًا. 

• دراسة في كينيا شكّلت لوائح لمنع بعض حلقات كرتونية من العرض العام لأنها “تمجد المثلية الجنسية” حسب وصفهم، مثل مسلسلات تُعرض شخصيات من مجتمع LGBT أو تصوِّر عائلات غير تقليدية. 

• دراسة في أوغندا أظهر أن نسبة كبيرة من المستجيبين تعتقد أن وجود “ثيمات جنسية غير موحّدة” في الكرتون قد تخلّ بخلاف المفاهيم الجنسية التقليدية وتُحدث تشويشًا لدى الأطفال. 

رابعًا: الآثار النفسية والتربوية المحتملة

تشويش الهوية الجنسية والمثلية

قد يُولد الكرتون لدى بعض الأطفال تساؤلات مبكرة عن هويةً جنسية أو تصنيف أنفسهم بطريقة لا تتماشى مع معايير الأسرة والمجتمع، مما قد يؤدي لاضطرابات نفسية إذا شعروا بأنهم “مختلفون” دون دعم أو فهم.

تعزيز الميول السلبية تجاه القيم الأسرية

إذا رآى الطفل أن العائلات غير التقليدية تُعرض على أنها طبيعية تمامًا دون نقاش أو سياق، قد يُخلق ذلك لدى بعض الأطفال أو الأهالي شعورًا بأن قيمهم غير مقبولة أو متخلفة.

زيادة الجرأة أو السلوكيات غير الملائمة

رغم أن العلاقة بين المشاهدة والسلوك المباشر ليست دائمًا واضحة، إلا أن التجربة التربوية تشير إلى أن الأطفال يقلدون ما يرونه غالبًا — في الكلام، الأسلوب، الحركة، وحتى في اللعبة — وقد ينتقل بعض السلوكيات “ك المزاح الحميمي، التصرفات الجسدية” من إطار الكرتون إلى الحياة الواقعية.

فجوة بين القيم المدرّسة والأسرة والمجتمع

إذا كان الطفل يرى محتوى يتعارض مع ما يُعلّمونه في المنزل أو في المسجد أو الكنيسة، فقد ينشأ داخله صراع بين ما يؤمن به وما يشاهده، مما قد يُوهِن الثقة، أو يُشكل رغبة في التجريب أو التشبّه.

خامسًا: الحُـلول المقترحة والضوابط اللازمة

1. الرقابة الأُسرية والتربية الإعلامية

على الآباء أن يشاهدوا أو يراقبوا ما يشاهده أطفالهم، يتحاورون معهم عن ما يشاهدون، يشرحون لهم ما هو مقبول وما ليس كذلك من منظورهم القيمي والديني.

2. تنقية المحتوى

اختيار القنوات والرسوم المتحركة التي تحترم القيم المحلية، متابعة تقييمات المحتوى، واختيار النسخ المعدّلة إذا كانت متوفِّرة.

3. توعية صناع المحتوى

على المنتجين والموزعين أن يكونوا واعين بحساسية الموضوع، وجود خطوط حمراء واضحة، احترام التقاليد الثقافية خاصة في المجتمعات المحافظة.

4. تدخل مؤسسي وتنظيمي

تشريعات أو تنظيم من قبل هيئات الإعلام والتعليم لمنع المحتوى الذي يُروّج لممارسات مخالفة للقيم، أو على الأقل وضع علامات تحذيرية، تقسيم حسب الفئة العمرية.

5. الحوار المجتمعي المفتوح

تشجيع النقاش بين الأهالي، المعلمين، الأئمة، المثقفين، الإعلاميين، حتى يتم تحديد ما هو محتوى “مرفوض” وما هو مقبول بشروط، وكيف نعلّم الأطفال الاختيار الحر ضمن القيم.

– في الختام نقول أن: 

 

الكرتون، بكل ألوانه الزاهية وحركاته المرحة، هو سلاح ذو حدَّين. يمكن أن يكون وسيلة رائعة لغرس القيم، حب الخير، تسامح، الإبداع، أو أن يتحوّل إلى منصة تنشر أفكارًا تتناقض مع الفطرة والدين والمجتمع.

المهم هو الوعي البعيد، لا ترك الأطفال يُؤثرون بهم دون مرجعية قوية من البيت والمدرسة والقيم التي نؤمن بها.

ربما لا نحتاج إلى منع الكرتون لكن إلى فهمه، فلنكن نحن أول من يربّي على الإيمان والتمييز، قبل أن تُربّي شاشاتنا الصغار على ما تُريده تلك الشاشات.

 

رشا علواني

أخصائي نفسي ومدرب معتمد من عدة جهات دولية، حاصلة على ماجستير في الاضطرابات الجنسية للأطفال والمراهقين، مرشد أسري وزواجي، تهتم بالدعم النفسي والمجتمعي، وتسهم في التوعية الأسرية بمحتوى إنساني وتوجيهي عبر الإعلام، صحفية بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي