
عملية طوفان الأقصى بين الخطأ والصواب
بقلم: مصطفى نصر
أنا شخصياً كمصطفى نصر المواطن العربي، أرى أن قرار حماس وبقية الفصائل بإشعال عملية “طوفان الأقصى” كان خطأً لا يغتفر بحكم أشلاء الأطفال التي شاهدتها بعيني، والتي أدمت قلبي، لكن دعك من وجهة نظري الخاصة، ودعني اقرأ لك الأحداث من منظور الصحفي المحايد بعيدا عن الأبعاد العاطفية، واستناداً لحساب الأرباح والخسائر معا، حسب قراءات الخبراء الاستراتيجيين، الذين هم أطول باعاً من قدراتي.
عملية احتجاز الرهائن خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (عملية طوفان الأقصى) واستخدام الضحايا كورقة تفاوض في اتفاق شرم الشيخ (أكتوبر 2025) هل كان قرارًا موفقًا، بحسب تحليل الأرباح (المكاسب السياسية مقابل الخسائر (الإنسانية والمادية والسياسية).
بناءً على النتائج حتى الآن سأقدم جرداً تحليلًا موضوعيًا يعتمد على التطورات المرتبطة باتفاق شرم الشيخ والسياق الأوسع.
أولاً الأرباح من وجهة نظر حماس تتلخص في إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، ففي المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ، أفرجت إسرائيل عن حوالي 1900 أسير فلسطيني، بما في ذلك العشرات من ذوي الأحكام الطويلة والمؤبدة (مثل قادة بارزين أو أفراد شاركوا في عمليات مقاومة سابقة). هذا يُعتبر إنجازًا كبيرًا لحماس مقروءة مع براجماتية الإسلاميين التي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة، ففكرهم منصب على أن الغزوة عززت مكانتهم كقوة مقاومة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة للفلسطينيين، بغض النظر عن الأشلاء التي تناثرت، بحكم منهجهم الميكافيلي.

من وجهة نظر حماس تبادل الرهائن (20 رهينة إسرائيليًا أحياء وجثث آخرين مقابل 1900 أسير) يُظهر نسبة تبادل مرتفعة، مما يعكس قوة التفاوض التي منحتها الرهائن لحماس، فهي ترى أنها نجحت في الضغط من أجل وقف إطلاق النار، وهو ما تحقق في المرحلة الأولى من الاتفاق (بدءًا من 10 أكتوبر 2025). هذا أوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية التي دمرت قطاع غزة وأدت إلى عشرات الآلاف من القتلى والجرحى.
كما ترى حماس أن الاتفاق سمح بزيادة دخول المساعدات الإنسانية (مضاعفة عدد الشاحنات عبر معبر رفح)، وتخفيف الحصار تدريجيًا، مما يُعتبر انتصارًا لحماس في تخفيف المعاناة عن سكان غزة وتعزيز المكانة السياسية لحماس، فنجاح حماس في التفاوض عبر وسطاء دوليين (مصر، قطر، تركيا) وعلى طاولة تضم قوى عالمية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي) عزز صورتها كلاعب سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله، كما يرون أن البيان المشترك مع فصائل أخرى (الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية) يُظهر وحدة فلسطينية نسبية تحت قيادة حماس.
ويرون أن رفض حماس لأي وصاية أجنبية على غزة في المرحلة الثانية يعكس محافظتها على استقلالية قرارها، مما يعزز دعمها بين الفلسطينيين الذين يرونها كقوة مقاومة ضد الهيمنة الإسرائيلية، فضلاً عن إعادة إحياء القضية الفلسطينية دوليًا، بالتعاطف الكبير الذي وجدته قضية فلسطين، إذ أن العملية
مع الخسائر من وجهة نظر حماس البشرية والمادية الهائلة في غز، والتي أدت إلى دمار غير مسبوق في القطاع. بحسب تقارير دولية، أشارت إلى قتل ما يتراوح بين (40,000 إلى 100,000 حسب المصادر)، وأصيب مئات الآلاف، مع نزوح حوالي 1.9 مليون شخص (90% من سكان غزة)، مع دمار البنية التحتية من (مستشفيات، طرق، محطات كهرباء ومياه، مدارس، مصانع ومعامل ومنازل المواطنين ومشاريع سبل العيش) دُمرت بنسبة كبيرة، تصل إلى65% سوف يضع حماس تحت ضغط شعبي داخلي، نتيجة فقد الأقارب في كل بيت غزاوي تقريباً، مع كل هذا الدمار أثار انتقادات داخلية وخارجية لحماس، حيث اعتبر البعض أن تكلفة العملية كانت باهظة مقارنة بالمكاسب.

كما أن حماس فقدت السيطرة العسكرية المباشرة مع الحرب، وضعفت البنية العسكرية لحماس بشكل كبير، فإسرائيل دمرت جزءًا كبيرًا من الأنفاق والترسانة العسكرية، وقتلت معظم القادة البارزين (مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف مما جعل حماس أقل قدرة على المواجهة العسكرية في المستقبل، ودمرت حلفائها في لبنان وإيران ودول المثلث الشيعي.
حماس تتجاهل أن الاتفاق في خطواته الأخيرة يتطلب نقاشات حول نزع سلاح الفصائل، وهو مطلب إسرائيلي قد يحد من قدرات حماس العسكرية إذا تم تنفيذه، وتجعل نفوذها وقبضتها على القطاع شيئاً من الماضي.
وتتناسى أيضاً التكلفة السياسية والدولية، فعملية 7 أكتوبر، التي شملت استهداف مدنيين إسرائيليين، أدت إلى إدانات دولية واسعة وخسارة بعض الدعم الشعبي في أوساط كانت مؤيدة للقضية الفلسطينية، في بعض الدول (مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية) صنفت حماس كـ”منظمة إرهابية” بشكل أقوى بعد العملية.
كما أن غياب حماس عن حضور قمة شرم الشيخ مباشرة (على عكس السلطة الفلسطينية) يعكس عزلتها السياسية الرسمية، مما قد يحد من تأثيرها في المفاوضات المستقبلية حول إدارة غزة، فرغم الاحتفالات بعودة النازحين والأسرى، فإن الدمار الهائل في غزة يضع حماس أمام تحدي إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية، أي فشل في هذا المجال قد يضعف شعبيتها بين سكان غزة، والتوتر مع السلطة الفلسطينية، الذي دفع الاتحاد الأوروبي لإعطائها دورًا أكبر في إدارة غزة، قد يؤدي إلى صراع داخلي على السلطة
لنعد ختاماً إلى سؤالنا الأول:
هل كان القرار موفقًا من منظور حساب الأرباح والخسائر؟
– يرى المراقبون أن الأرباح كانت ملموسة على المدى القصير: إطلاق سراح أعداد كبيرة من الأسرى، وقف الحرب، وتخفيف الحصار أعطى حماس انتصارًا سياسيًا وشعبيًا داخليًا. كما أن إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية وإجبار إسرائيل على التفاوض تحت ضغط الرهائن يُعتبر إنجازًا استراتيجيًا.
لكن الخبراء يرون أن الخسائر كانت باهظة: الدمار في غزة، الخسائر البشرية، وإضعاف البنية العسكرية لحماس جعلت التكلفة مرتفعة جدًا، كما أن المخاطر المستقبلية (مثل نزع السلاح أو فقدان السيطرة على غزة) قد تعرض حماس لضغوط كبيرة.
والتقييم النهائي للخبراء بعيدا عن وجهة نظري الخاصة: إذا كان هدف حماس هو كسر الوضع الراهن، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وتحقيق مكاسب سياسية مثل إطلاق الأسرى ووقف الحرب، فإن قرار احتجاز الرهائن كان موفقًا جزئيًا على المدى القصير.
لكن التكلفة البشرية والمادية الهائلة، إلى جانب التحديات المستقبلية (مثل إدارة غزة ونزع السلاح)، تجعل القرار مثيرًا للجدل من منظور طويل الأمد.
نجاح القرار يعتمد على قدرة حماس على إدارة المرحلة الثانية من الاتفاق، وتجنب فقدان السيطرة أو الدخول في صراعات داخلية، وإلا ستكون هي الخاسر الأكبر الوحيد الذي سيدفع الثمن.













