
حرب على وعي أولادنا.. والعدو يدخل من الشاشة
بقلم / رشا علواني
في يوم من الأيام، كانت الحروب تُخاض بالسلاح والدماء، لكن في عصرنا الحالي، الحرب بقت أخطر. العدو ما بقاش بيخبط على الباب.
العدو دلوقتي بيعدي من جوه الشاشة، يدخل غرف أولادنا، يتكلم بلغتهم، ويزرع في عقولهم أفكار تتغلغل ببطء لحد ما تبقى “طبيعية”.
أكيد كلنا لاحظنا كم الجرائم الغريبة اللي بقت تحصل كل يوم، وأكتر حاجة بتوجع القلب إن اللي بيقوم بيها مش مجرمين محترفين، لكن أطفال في عمر الزهور.
أولاد في سن ١٢ و١٣ و١٥ سنة، بيتورطوا في تصرفات بشعة، وكأن مشاعر الرحمة والعقل غابت عنهم تمامًا.
وهنا لازم نسأل نفسنا:
إيه اللي بيحصل؟
إزاي طفل بريء بيتحوّل لكائن عنيف أو غريب الأطوار؟
وإزاي بيتلعب بوعيه وهو لسه بيتشكّل؟
الإجابة للأسف بسيطة ومخيفة في نفس الوقت: “التريند”
“التريند”.. الاسم اللطيف لأخطر سلاح
زمان كانت التربية بتحصل داخل البيت والمدرسة والشارع، دلوقتي بقت على شاشة صغيرة في إيد الطفل، فيها عالم مفتوح بدون رقابة حقيقية.
التريند هو السلاح الجديد
بيتقدّم في شكل “فيديوهات ظريفة”، “مقاطع مضحكة”، “أغاني جذابة”، أو “شخصيات كرتونية مختلفة”،
لكن ورا كل ده فيه فكرة، فيه رسالة، فيه توجيه مقصود.
الفيديوهات دي بتُصمم بعناية —موسيقى بتجذب، ألوان مبهجة، محتوى بيشد— لحد ما الطفل يندمج ويتقبل أي حاجة تتقال أو تتعمل جواها.
والخطورة مش في الفيديو نفسه، لكن في الرسائل الصغيرة المبطّنة اللي بتتكرر لحد ما تتحول إلى “قناعة”.
كيف يُزرع السم في العقول الصغيرة؟
خلينا ناخد مثال حقيقي انتشر مؤخرًا:
فيديو بيظهر فيه أسد ذكر لابس لبس بنات جذّاب، بيغوي بنت جميلة، وبعدها “يتخلص منها” ويدفنها ويزرع شجرة مكانها.
وفي النهاية بيظهر قصره مليان أشجار!
يمكن الكبار يشوفوه مشهد خيالي أو فانتازيا غريبة، لكن عقل الطفل ما بيشوفش الرموز، هو بيشوف إن “الراجل ممكن يلبس لبس بنات عادي”، وإن “الأخذ بالقوة مش جريمة”، وإن “الجمال” ممكن يبقى ستار يخفي وراه العنف والموت.
ودي كارثة حقيقية.
لأنها مش مجرد لقطة عابرة..
دي رسالة فكرية بتتكرر بصور مختلفة، تزرع في عقل الطفل قيم مقلوبة، وتبدّل المفاهيم بدون ما يحس.
صناعة الغلط على إنه “عادي”
الأسوأ إن الأطفال بيتعاملوا مع الفيديوهات دي يوميًا،
وبالتكرار، بيبدأ اللاوعي يتقبل الغلط على إنه شيء طبيعي.
العنف يبقى لعبة..
التحرش يبقى مزحة..
الميوعة تبقى حرية..
والاختلاف الأخلاقي يبقى “ستايل”.
المحتوى ده مش بريء يا جماعة. فيه ورا كل فيديو خط إنتاج ضخم من شركات وممولين ومصممين شغالين لهدف محدد:
تغيير وعي الجيل القادم.
مش صدفة إن فيديوهات القطط الغريبة، والدمى اللي بتتكلم، والوجوه الغامضة، انتشرت فجأة.
مش صدفة إن كل ده بيظهر في وقت واحد، وبلغة واحدة، وبأفكار مكررة.
الموضوع مش عشوائي.. الموضوع مدروس.
مين ورا كل ده؟
السؤال اللي لازم يتسأل:
مين ورا النوع ده من المحتوى؟
وليه بيتوجه للأطفال بالتحديد؟
الإجابة: جهات بتفكر بعقل استراتيجي جدًا.
ناس عارفة إنك لو غزوت الوعي، مش محتاج تحارب بالسلاح.
ولو دمّرت البوصلة الأخلاقية عند جيل، مش هتحتاج تفرض عليه السيطرة بالقوة.. هو هيستسلم من نفسه.
فيه مجموعات وشركات وإعلاميين وممولين هدفهم الأساسي إضعاف المناعة الفكرية عند الشعوب.
وده بيتحقق لما الطفل يتربى على قيم مشوشة، لما يتعلم إن مفيش “غلط وصح” لكن “حرية وتجربة”.
ساعتها، بيكبر وهو فاقد لهويته، مش عارف ينتمي لمين، ولا يسمع لمين.
دور الأهل… ومينفعش نسكُت
يا جماعة، الوعي مش رفاهية، ده واجب.
مش كفاية نقول “العيال كبرت وبقت فاهمة” أو “ده كرتون بسيط”.
كل حاجة بتدخل عين الطفل بتدخل قلبه وعقله، ولازم نكون إحنا أول فلتر بيحميه.
راقب المحتوى اللي بيتفرجوا عليه.
اتكلم معاهم عن اللي بيشوفوه.
افتح نقاش بدل ما تمنعهم فجأة.
لأن المنع من غير فهم بيخلق فضول، لكن الفهم بيخلق وعي.
احكي لابنك لما تشوف حاجة غريبة، اسأله: “إيه رأيك في ده؟”
واسمعي منه، ما تهاجموش، لكن وجهي تفكيره بهدوء.
الطفل اللي بيحس إنك بتفهمه، هيسمعك أكتر من أي مؤثر أو فيديو.
الحرب الجديدة اسمها “حرب الوعي”
احنا مش في حرب تقليدية، احنا في حرب على الهوية والفكر والمشاعر.
بيحاولوا يبدّلوا ثوابتنا باللاشيء، ويخلوا الأجيال الجديدة تعيش في ضياع فكري وأخلاقي.
لكن الوعي هو درعنا.
البيت الواعي بيحمي أولاده، والمدرس الواعي بينقذ عقول، والمجتمع الواعي بيصنع أجيال تقاوم بدل ما تتأثر.
كل فيديو غريب، كل محتوى مش مفهوم، هو رسالة لازم نفك رموزها.
الوعي مش بس إننا نمنع، الوعي إننا نعرف “ليه” و”إزاي”، ونتكلم بلغة أولادنا قبل ما غيرنا يسبقنا.
احمِ وعي ابنك قبل ما يسرقوه منه.
لأن الحرب دلوقتي مش على الأرض..
الحرب على العقول.













