مقالات متنوعة
أخر الأخبار

بالوعى نحميها.. لكن من يحمي من؟

بالوعى نحميها.. لكن من يحمي من؟

 

كتبت: د.عبير عاطف 

 

“من يداوي وعي أمةٍ أرهقها الغلاء؟”

تبنّت الدولة هذا العام مبادرة “معًا بالوعي نحميها”، التي أطلقتها السيدة قرينة رئيس الجمهورية، وينفذها المجلس القومي للمرأة بالتعاون مع عدد من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

تهدف المبادرة إلى تعزيز الوعي الأسري والمجتمعي، ودعم الصحة النفسية والاجتماعية للأسرة المصرية، من خلال الندوات والورش التدريبية التي تُقام في المدارس، والجامعات، ومراكز الشباب، ودور العبادة، والقرى الريفية.

وتسعى المبادرة إلى غرس قيم الحوار، والانتماء، والمسؤولية، كما تعمل على مواجهة الشائعات والأفكار السلبية التي تهدد تماسك المجتمع.

لكن السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه: كيف نطالب المواطن بالحفاظ على صحته النفسية في الوقت الذي تُرهقه فيه ضغوط الحياة اليومية، وارتفاع الأسعار، وتقلّب السياسات الاقتصادية؟

كيف يُطلب من الإنسان أن يكون متوازنًا نفسيًا وهو يعيش في دوّامة من الغلاء، والخوف من الغد، والبحث عن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية؟

لم يفكر أحد في المواطن قبل رفع الأسعار، ثم يعودون يسألون: لماذا انتشرت الجريمة؟

إن الوعي لا يُبنى بالشعارات ولا بالمبادرات وحدها، بل بالسياسات التي تحمي كرامة الإنسان وتراعي احتياجاته النفسية قبل المادية. فالمواطن الذي يستيقظ كل يوم مثقلًا بالهموم والديون لا يحتاج إلى ندوة عن “إدارة الضغوط” أو تصريحات مسئول ليس لديه صلة بالواقع، بل إلى واقعٍ يخفف عنه أسباب تلك الضغوط.

إن الصحة النفسية ليست ترفًا، بل هي عمود الاستقرار الوطني. وحين تُنهك السياسات الاقتصادية المواطن وتتركه وحيدًا في مواجهة قسوة المعيشة، فإننا بذلك نهدم ما تحاول المبادرات الحكومية بناؤه من تماسك نفسي وأسري.

فالأسرة التي تعاني من الضيق والحرمان لا يمكن أن تُثمر وعيًا، والطفل الذي يرى أباه عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجاته لا يمكن أن ينشأ متوازنًا نفسيًا.

إن مبادرة “معًا بالوعي نحميها” خطوة طيبة تستحق الدعم، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تُترجم إلى إجراءات واقعية تخفف الألم النفسي عن المواطن. الوعي لا ينمو في بيئة مثقلة بالخوف والاحتياج، بل في مناخٍ يشعر فيه الإنسان بالأمان، ويثق أن صوته مسموع وكرامته مصونة.

 رسالة إلى متخذي القرار..

أيها المسؤولون.. حين تنادوننا بالوعي، تذكّروا أن الوعي لا يعيش في العتمة، ولا يزدهر في البطون الخاوية. علّمونا كيف نصمد، لكن ساعدونا ألا نُستهلك في صمودنا. نحن لا نطلب رفاهية، بل نطلب عدالة نفسية واقتصادية تحفظ للإنسان توازنه وكرامته.

فالوعي الذي لا تحميه السياسات، يُصبح مجرّد شعار جميل فوق جدارٍ متصدّع.

تزعمون أن الاقتصاد تعافى، ولكن أيُّ تعافٍ هذا الذي ينهض بالأرقام ويُسقط الإنسان؟

 

د. عبير عاطف

دكتوراه في علم النفس التربوي، متخصصة في الإرشاد الأسري، وتتمتع بخبرة واسعة في التدريب الإعلامي والتنمية الذاتية، وتُكرَّم ضمن الشخصيات المؤثرة في الوطن العربي. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي