
ونحَتْنا من الجبالِ بيوتًا.. فكانت الأهرامات
بقلم: أسماء فايد
منذ آلاف السنين، تقف الأهرامات الشامخة في صحراء الجيزة كأنها أنفاس من زمنٍ أبعد من الذاكرة، وكأنها حكاية منقوشة على وجه الصخر لا يبهت لونها مهما تعاقبت عليها شمس النهار وغبار القرون.
لم تكن الأهرامات مجرّد قبور لملوك الفراعنة، بل كانت رمزًا لفلسفة الخلود، وشاهداً على قدرة الإنسان حين يتحدّ مع الطبيعة في أعظم صور الإبداع.
تقول الآية الكريمة:
“وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ”
فيها إشارة إلى قوم ثمود الذين كانوا ينحتون الجبال بمهارةٍ وفخر، يصنعون منها مساكن تقيهم الحر والبرد، فيعجب المرء من تشابه هذا المشهد مع مشهد المصريين القدماء، وهم يحولون الجبال إلى معابد للأبدية.
لقد كان المصري القديم يؤمن أن الجبل هو بوابة الروح إلى السماء، لذا اختار صخره ليحتمي به جسده بعد الموت، ويُحَلِّق روحه من بين طبقاته نحو النور.
ومن هنا جاءت فكرة الأهرام، وكأنها جبال نُحتت بعناية من الداخل إلى الخارج، لا تُبنى بقدر ما تُستخرج من قلب الأرض.

تشير بعض النظريات الحديثة إلى أن الأهرامات لم تُبنَ حجراً فوق حجر كما نتصوّر، بل نُحتت تدريجياً من كتل صخرية كانت جزءاً من جبال قديمة، في انسجام مع ما ورد في الآية الكريمة من فعل “النحت” لا “البناء”.
إنها ذات الروح الإبداعية التي عبّر عنها القرآن في قومٍ آخرين، لكنها في مصر تجسّدت في سياق الإيمان بالخلود لا بالترف، فصارت الأهرامات دعاءً صامتاً بالحياة بعد الموت.
وفي قراءة تأملية، يمكن القول إن الأهرام ليست مجرد حجارة ضخمة، بل نصٌّ حجريٌّ قرأه الإنسان الأول بعين الروح، فكتب عليه سؤاله الأبدي عن البقاء.
وما زال الحجر يجيبنا بصمته العميق:
إن من عرف كيف ينحت من الصخر بيتاً للأبد، هو ذاته الذي علّم الإنسانية كيف تخلّد آثارها بالكلمة، والفكرة، والإيمان.













