
في الصمت كلام
بقلم: مصطفى نصر
نعم عزيزي القارئ عليك بالصمت المصحوب بالتأمل، ففي كثير من الحالات، الصمت لمدة ٣٠ دقيقة يوميًا مع التفكر أو ذكر الله يُعتبر تعزيزًا حقيقيًا للعافية النفسية والجسدية والروحية، ولكن ليس كل صمت، دعني أوضح لك الأمر باختصار وبأدلة:
1. من الناحية العلمية والنفسية:
الصمت يقلل التوتر وبالتالي إفراز مادة الكورتيزول، فإن دراسات عديدة ( أظهرت أن الصمت الواعي (مثل التأمل أو الجلسات الصمت المدروسة) تخفض مستوى هرمون الكورتيزول بشكل ملحوظ.
– إعادة تنشيط الدماغ:
– بحث إيطالي-ألماني عام 2013 وجد أن ساعتين فقط من الصمت التام يوميًا يحفّز نمو خلايا عصبية جديدة في (الحُصين)، وهي المنطقة المسؤولة عن الذاكرة والعواطف.
– تحسين التركيز والإبداع:
عندما نصمت، ينتقل الدماغ من وضع “بيتا” (اليقظة المفرطة) إلى “ألفا” و”ثيتا” (الاسترخاء العميق والإبداع)، وهذا ما يفسر لماذا تأتي أفضل الأفكار غالبًا في الصمت أو تحت الدش!

2. من الناحية الروحية والدينية (في الإسلام خاصة):
– النبي ﷺ كان يعتكف ويطيل الصمت، وحث على الصمت في مواضع كثيرة: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” (متفق عليه)
– «الصَّمْتُ عِبَادَةٌ» (رواه الديلمي عن أنس، وإن ضعف إسناده فمعناه صحيح عند كثير من العلماء)
– الصوفية والزُهاد كانوا يسمون الصمت “سلطان العارفين”، لأنه يُصفّي القلب ويُقرّب من الله، ويذكر عن سيدنا جعفر الصادق أنه قال:”تفكر ساعة خير من عبادة سبعين عاما”كما روي عن أبي الدرداء “تفكر ساعة خير من قيام ليلة”
3. لكن ليس كل صمت مفيد!
– الصمت القهري أو الصمت المكبوت (بسبب الخوف أو الاكتئاب) قد يزيد التوتر والقلق.
– الصمت العقابي (مثل المقاطعة أو العزلة الاجتماعية الشديدة) يضر أكثر مما ينفع.
* الخلاصة:
الصمت الواعي – المختار – الهادئ – المقصود به التدبر أو ذكر الله من أقوى أدوات العافية في عصرنا المليء بالضجيج، فحتى لو بدأت بـ10 دقائق يوميًا بدون هاتف ولا كلام ولا موسيقى، ستشعر بالفرق خلال أيام.
ويتساءل البعض عن سر الصمت الذي أمرت به مريم وزكريا:
القرآن الكريم ذكر أمر الله لمريم وزكريا بالصمت في سياقين مختلفين تمامًا، لكن الهدف في الحالتين واحد:تعميق الصلة بالله، وتنقية القلب، وإخراج النفس من دائرة الكلام البشري العادي إلى حالة من التسبيح والذكر الخالص.
1. زكريا عليه السلام (آل عمران ٤١)، لماذا أمره الله بالصمت ثلاثة أيام مع أن البُشرى قد تمت؟
– لأن هذه المعجزة (إنجاب يحيى في الكِبَر) كانت عظيمة جدًا، فأراد الله أن يجعل قلب زكريا منشغلًا بالشُكرًا وذكرًا لا بالحديث مع الناس.
– فالصمت هنا كان نوعًا من الاعتكاف القلبي، مع أن لسانه يتحرك بالتسبيح فقط (رمزًا).
– قال العلماء: كان يُكلّم الناس بالإشارة، لكن لسانه لم يزل يلهج بذكر الله).
– فالصمت هنا وسيلة لتحويل الفرحة الهائلة من “كلام الناس” إلى “شكر الله” بلا انشغال.أما في حالة مريم عليها السلام (مريم ٢٦)
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾
هنا الصمت كان يومًا واحدًا فقط، لكن الظرف أصعب بكثير:
– مريم رجعت إلى قومها تحمل طفلًا من غير أب، فكان متوقعًا أن يتهموها بالزنا ويُهينوها.
– لو تكلمت بالدفاع عن نفسها لدخلت في جدال طويل ومؤلم (وكانوا قد يقتلونها رجمًا).
– فأمرها الله أن تصمت تمامًا وتُشير فقط إلى الطفل (فأشارَتْ إليه)، فتكلَّم عيسى الرضيع وبرّأ أمه.
إذًا الصمت هنا كان حماية لكرامتها من الخوض في جدال لا ينتهي.
– توكل كامل على الله:
أن يدافع عنها هو بنفسه (فتكلم الطفل الرضيع!).
– نذر صوم عن الكلام:
وفي الشرع القديم كان هذا النوع من الصوم معروفًا: صوم عن الكلام مع الناس والانشغال بالله وحده) والخلاصة بين الحالتين:
الله أمر زكريا بالصمت لئلا ينشغل بالناس عن شكر النعمة، وأمر مريم بالصمت لئلا تنشغل بالدفاع عن نفسها فتُذلّ، وليدافع الله عنها بنفسه.

في الحالتين:
الصمت كان طاعة وتوكلًا ورفعة، وليس عجزلاً أو ضعفًا.
* هل ترى الآن عزيزي القارىء كيف أن الصمت أحيانًا يكون أبلغ كلام، وأقوى دفاع، وأعمق شكر؟وسؤال لك: هل تجرب الصمت أحيانًا بوعي؟ أم أن حياتك مليئة بالضجيج فلا تجد له فرصة؟













