مقالات متنوعة
أخر الأخبار

إعادة التوطين

حلم التوطين.. قصص من قلب الانتظار والأمل

إعادة التوطين 

 

تحقيق استقصائي بقلم: مصطفى نصر

 

حلم التوطين.. قصص من قلب الانتظار والأمل

 

في مخيمات اللاجئين المنتشرة حول العالم، يعيش ملايين الأرواح معلقة بين الماضي المؤلم والمستقبل المجهول. كل لاجئ يحمل في قلبه حلم إعادة التوطين في بلد متقدم، ينتظر سنوات طويلة تلك اللحظة التي قد تغير حياته إلى الأبد، لكن هل يستحق الأمر هذا العناء كله؟ هل الوصول إلى العالم المتقدم يعوض عن الفقدان والصبر الطويل؟

دعونا نروي قصصاً حقيقية مستوحاة من تجارب لاجئين حقيقيين، في أسلوب قصصي يجمع بين الألم والأمل، لنكتشف الإجابة معاً.

* محمد من البراميل المتفجرة فوق رأسه في دارفور إلى لوزان فرنسا.

* ⁠محمد السوداني انتظر لسنتين وهو ينتظر فرصة إعادة التوطين في الغرب، وأحلام العيش في دولة متقدمة، أخيرا جاءته الرسالة التي لطالما حلم بها من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقاهرة: “تم تحويل ملفكم إلى إدارة إعادة التوطين كمرشح للهجرة في فرنسا”.

قال لي الصديق الصحفي الشاب محمد، بعد رحلة طويلة من الموافقات ومراجعة مكاتب اللاجئين بأكتوبر، ثم رحلة من المتابعات المضنية مع سفارة فرنسا بالقاهرة اكتملت الإجراءات التي استغرقت عدة أشهر، وأخيرًا جاءت الفيزا والتذاكر لي ولأفراد الاسرة، بعد شهر آخر وفي خضم شهر رمضان واقتراب العيد حلقت طائرتنا أخيرًا إلى مطار شارل ديجول بباريس.

كانت بداية الاستيطان سلسة حيث اكتملت إجراءات الاستقرار في وقت قصير، إعادة التوطين في العالم المتقدم ليست طريقاً مفروشاً بالورد. هناك صعوبات: اللغة، الوحدة، فقدان الهوية، والتمييز أحياناً. الانتظار الطويل يأكل من الروح، والفقدان فقدان الوطن والأهل لا يعوض.

بدأت الحياة صعبة باردة في بلاد لا ترى ضوء الشمس، وأنوارها لا تنطفئ ليلا ولا نهارا والبرد يسرى في المفاصل والنخاع بلا رحمة لكن الأمور سرعان مابدأت في الاستقرار، سكن صغير لكنه باسمي، الأطفال استقروا في مدارسهم مع خبراء تربية يعملون بمثابرة لادماجهم في البيئة المدرسية وكسر حاجز اللغة المختلفة.

* ⁠لو سألتني قبل سنتين لقلت لك إن الأمر لا يستحق كل ذلك العناء، لكن الآن بعد سنتين من بداية الرحلة، أرى الأمر بصورة مختلفة أطفالي أصبحوا يجيدون الفرنسية بطلاقة، واندمجوا مع البيئة المدرسية واصبحوا يحققون نتائج جيدة، وينافسون رصفاءهم من أهل اللغة الاصليين، وبعد وظائفنا الهامشية أنا وزوجتي في البداية، أعانتنا الدولة الفرنسية بدورات لغة مجانية ساعدتنا في امتلاك ناصية اللغة، وقرض كبير ميسر على عشرين سنة لفتح مطعمنا الخاص.

 قصة أحمد.. من قذائف حلب إلى حدائق كندا

كان أحمد، الشاب السوري من مدينة حلب، يعمل مهندساً في مصنع قبل أن تبتلع الحرب مدينته. في ليلة واحدة، انهار سقف بيته فوق رأسه، وفقد أخاه تحت الأنقاض. فرّ مع زوجته وأطفاله الثلاثة إلى تركيا، حيث عاشوا في مخيم مؤقت لسنوات.

كان الانتظار يأكل من روحه يوماً بعد يوم: مقابلات مع مفوضية اللاجئين، فحوصات طبية، رفض مؤقت، ثم أمل جديد. “كنت أقول لنفسي: إذا لم ننتقل، سنموت ببطء هنا”، يتذكر أحمد.

أخيراً، في عام 2016، جاءت الموافقة على التوطين في كندا. وصلوا إلى تورونتو في فصل الشتاء القارس، حاملين حقائب صغيرة مليئة بذكريات فقط. في البداية، كانت الصدمة كبيرة: اللغة الإنجليزية غريبة، الثلج يغطي كل شيء، والوحدة تطبق على الصدر.

عمل أحمد في وظائف بسيطة، مثل تنظيف المكاتب، بينما زوجته تتعلم اللغة في دورات مجانية. الأطفال بكوا في المدرسة أول أيام، يشتاقون إلى أصدقائهم القدامى.

لكن الوقت يشفي الجراح تدريجياً. بعد خمس سنوات، أصبح أحمد مديراً في شركة بناء، يستخدم خبرته الهندسية. اشترى منزلاً صغيراً مع حديقة، يزرع فيها الورد الذي يذكره بحلب. أطفاله يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وأحدهم يدرس الطب في الجامعة.

“كان العناء يستحق كل دمعة”، يقول أحمد اليوم، وهو يشرب القهوة مع جيرانه الكنديين الذين أصبحوا عائلة ثانية. التوطين لم يعيد له أخاه، لكنه أعطاه أماناً لم يعرفه من قبل، وحلم ابنته في أن تصبح طبيبة يتحقق أمام عينيه.

* قصة فاطمة: رحلة المرأة الأفغانية نحو الحرية في أمريكا

فاطمة، المعلمة الأفغانية من كابول، كانت تحلم بتعليم الفتيات في بلدها. لكن مع عودة طالبان في 2021، أغلقت المدارس أبوابها أمام النساء، وأصبحت حياتها مهددة بسبب عملها مع منظمات أمريكية، فرت مع أطفالها الثلاثة، تاركة زوجها الذي رفض المغادرة. عاشت في مخيمات باكستان، تنتظر إعادة التوطين لسنتين كاملتين، مليئتين بالقلق والفقر.

وصلت إلى سياتل في واشنطن عام 2023، كجزء من برنامج خاص للأفغان، كانت البداية قاسية: اللغة، الثقافة الجديدة، والشعور بالذنب لتركها عائلتها.

عملت في مطعم، ثم انضمت إلى برنامج تدريب مهني للنساء اللاجئات، تعلمت الطبخ الغربي، وأصبحت طاهية في مطعم شهير. “كنت أبكي كل ليلة في البداية، أفتقد رائحة الخبز الأفغاني”، تقول فاطمة:

اليوم، بعد ثلاث سنوات، تمتلك فاطمة مطعماً صغيراً يقدم أطباقاً أفغانية ممزوجة بالأمريكية، وأصبحت رمزاً للنجاح بين اللاجئات. أطفالها في المدرسة، وابنتها الكبرى تفكر في دراسة القانون لمساعدة النساء. طلقت زوجها قانونياً، واكتشفت حريتها الجديدة. “الانتظار كان جهنماً، لكن هنا وجدت نفسي من جديد. التوطين أعطاني حياة لم أحلم بها في أفغانستان”.

* قصة إيرينا.. من قنابل أوكرانيا إلى أحلام أمريكية

إيرينا، الأم الأوكرانية من كييف، فرت مع ابنتها في 2022 عندما بدأ الغزو الروسي. تركتا الزوج في الجبهة، وعاشتا في مخيمات بولندا لأشهر. الانتظار لإعادة التوطين كان يملأه الخوف: مكالمات يومية مع الزوج، أخبار عن القصف، وقلق على المستقبل.

وصلتا إلى الولايات المتحدة في 2023، إلى مدينة صغيرة في داكوتا الشمالية. البرد القارس، الوحدة، واللغة جعلتا الأيام الأولى كابوساً. إيرينا عملت في مصنع، وابنتها كيرة كافحت في المدرسة بسبب الصدمة النفسية.

لكن بعد ثلاث سنوات، تغير كل شيء. وجدت إيرينا حباً جديداً، تزوجت من أمريكي داعم، وأصبحت تعمل في مجال الرعاية الصحية. ابنتها تتفوق في الدراسة، وأصبحن مواطنتين. “كنت أظن أن الحياة انتهت مع القنابل، لكن هنا أصبحت جميلة من جديد”، تقول إيرينا بابتسامة.

* قصة رحاف.. عائلة سورية تصبح ألمانية

رحاف العشار، السورية من دمشق، فرت مع عائلتها في 2015، خلال ذروة الأزمة، عاشوا في لبنان سنوات، ينتظرون التوطين. وصلوا إلى برلين، حيث بدأوا من الصفر: دورات لغة، وظائف بسيطة، وصدمة ثقافية.

بعد عشر سنوات، أصبحوا مواطنين ألماناً، يملكون منزلاً مع حديقة. الأطفال متكاملون تماماً، والعائلة تساهم في المجتمع. “الطريق كان طويلاً، مليئاً بالدموع، لكننا الآن جزء من ألمانيا”.

هذه القصص، مستوحاة من تجارب لاجئين سوريين وأفغان وأوكرانيين حقيقيين، تظهر أن إعادة التوطين في العالم المتقدم ليست طريقاً مفروشاً بالورد. هناك صعوبات: اللغة، الوحدة، فقدان الهوية، والتمييز أحياناً. الانتظار الطويل يأكل من الروح، والفقدان لا يعوض.

لكن في النهاية، يقول معظمهم: نعم، يستحق العناء. لأنه يمنح الأمان، التعليم للأطفال، والفرصة لبناء حياة جديدة مليئة بالأمل. التوطين ليس نهاية الرحلة، بل بداية قصة نجاح جديدة، تثبت أن الإنسان قادر على النهوض من الرماد.

 

مصطفى نصر

صحفي وباحث متخصص في الأدب والتثقيف، يتمتع بخبرة في العمل الإنساني والتوعية المجتمعية، وله دراسات متعددة في الإعلام والتعليم الإلكتروني. كاتب بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي