عاشت أربعين عامًا…
ثم اكتشفت أنها كانت تؤجل حياتها ليومٍ لم يأتِ.
لم يحدث هذا الاكتشاف فجأة،
بل تسلل إليها في هيئة سؤال صغير طرحته بائعة الزهور:
“أضعها لكِ الآن أم لمناسبة خاصة؟”
كادت تقول تلقائيًا:
“لمناسبة.”
لكنها صمتت.
فكرت متى كانت آخر “مناسبة” فعلية في حياتها؟
لم يمر عليها يومًا مناسبًا من قبل، كل الأيام كانت عادية.
لم تسافر كما خططت، لم تحتفل بترقية في العمل، لم تذهب لتتعلم شيئًا جديدًا، حتى فستانها الأزرق الذي أدخرته لمناسبة ما، لم ترتده قط وبقي معلقًا في خزانتها.
قالت أخيرًا:
“ضعيها الآن.”
وحين عادت إلى البيت، وضعت الزهور في كأس ماء عادي، لا مزهرية.
لأنها أجلت شراء مزهرية جميلة إلى أن تنتقل إلى بيت أكبر.
لكن البيت الأكبر تأخر هو الآخر.
جلست ذلك المساء تحاول تذكر متى بدأت عادة التأجيل.
ربما حين قالت:
سأرتاح عندما تنتهي هذه السنة المرهقة.
ثم صارت:
عندما أغيّر عملي.
ثم:
عندما يتحسن دخلي.
ثم:
عندما أجد من يشاركني الأشياء.
دائمًا كان هناك “عندما” يقف بينَها وبين الحياة،
كموظف صارم لا يسمح لها بالمرور.
فتحت درج مكتبها.
وجدت دفترًا قديمًا كتبت على صفحته الأولى قبل عشرين عامًا:
“أشياء سأفعلها قريبًا.”
ضحكت.
الكلمة الوحيدة التي شاخت في الصفحة كانت “قريبًا” أما بقية الكلمات فبقيت في عمر الاحتمال.
كم مرة قالت الفتاة:
سأزور أمي عندما أجد عطلة أطول.
سأعتذر لصديقتي عندما أهدأ.
سأحب حين أتعافى من خيباتي القديمة.
سأعيش عندما أصبح النسخة الأفضل مني.
لكن النسخة الأفضل كانت مشروعًا مؤجلًا، مثل مدينة وُضعت خرائطها ولم يبدأ بناؤها.
مررت أصابعها على الورق كأنها تربت على كتف فتاة كانتها يومًا.
لم تكن تلك الفتاة تعاني نقصًا في الشجاعة، فقط كانت تظن أن الحياة ستنتظر حتى تصبح مستعدة.
في اليوم التالي، رن هاتفها.
صوتٌ هادئ أخبرها أنها رحلت فجرًا.
لم تسأله: من؟
كانت تعرف.
الإنسان لا يموت فقط حين يتوقف قلبه…
أغلقت الخط، وجلست طويلًا دون أن تبكي.
آخر مرة رأت نفسها حقًا منذ سنواتٍ طويلة.
يومها قالت وهي تخفي نفسها داخل ندبة جديدة مبتسمة:
“لا تتأخري عني… الوقت صار أسرع مني.”
ضحكت، ووعدت نفسها أن تأتي “قريبًا”.
المفاجأة الوحيدة… أنها لم تتذكر متى حدث الموت.
الآن اكتشفت أن كلمة “قريبًا” قد تكون أحيانًا
الطريقة الأكثر تهذيبًا لنقول:
ربما لن آتي أبدًا.
في المساء ارتدت فستانها الأزرق، وذهبت لتلقي عزاؤها
هناك، لاحظت أمرًا غريبًا.
الجميع كان يتحدث عن أشياء صغيرة لم تحدث:
“كنا ننوي السفر معًا…” “قالت إنها ستعلمني تلك الوصفة…” “أجلنا اللقاء…”
بدت الجمل كأنها بيوت بلا أبواب، نيات صادقة،
لكنها تُركت في العراء حتى ماتت من البرد.
عادت إلى بيتها تلك الليلة شاعرة بأن الزمن ليس نهرًا ينساب دفعة واحدة كما تخيلت دائمًا …
بل إناء مثقوب يتسرب في هدوء،
قطرة… قطرة…
حتى نكتشف، متأخرين، أننا كنا نحمله فارغًا.
شعرت برغبة مفاجئة في الاعتذار…
لكنها لم تعرف لمن؟
لنفسها التي انتظرت طويلًا على عتبة الأيام؟
أم للأيام التي جاءت، فلم تجد أحدًا يعيشها؟
فتحت النافذة.
هواء بارد اندفع إلى الداخل، فارتجفت.
وللمرة الأولى خطر لها سؤال لم تسأله من قبل:
ماذا لو لم يكن هناك يوم مناسب أصلًا؟
ماذا لو كانت الحياة تحدث دائمًا في الأيام العادية…
تلك التي نظن أنها مجرد ممر نحو شيء أهم؟
وفي الممر… كانت فقط تقف على الباب، وتطرق بلطف،
بينما كانت هي تهمس من الداخل:
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.