
الأب الهارب… حين يسقط اللقب قبل أن يسقط الاسم
بقلم: عبير جبر الأكوح
ليس كل أبٍ غائبٍ ميتًا، فبعضهم أحياء.. لكنهم اختاروا الهروب.
الأب الهارب ليس ذلك الذي أغلق الباب خلفه ومضى، بل الذي أغلق قلبه قبل أن يغادر. هو الذي رأى في المسؤولية عبئًا، وفي أطفاله التزامًا ثقيلًا، فاختار راحته على حساب قلوب صغيرة كانت تنتظر كلمة، أو حضنًا، أو وعدًا بالأمان.
الهروب لا يبدأ من الطريق.. بل يبدأ من الداخل، حين تتقدم الأنانية على الواجب، وتعلو الراحة على الرحمة.
الأب الهارب يظن أن النفقة أرقام تُحوّل في نهاية الشهر، وأن دوره ينتهي بتوقيع أو رسالة عابرة. لكنه ينسى أن النفقة حضور، وأن الأبوة ليست مالًا بل موقفًا.
الأبوة يدٌ تمسك بيدٍ صغيرة في طريق المدرسة، وصوتٌ يطمئن طفلًا استيقظ من كابوس، ونظرة فخرٍ في لحظة نجاح.
هو لا يترك امرأة وحدها فقط، بل يترك أطفالًا يتعلمون القسوة مبكرًا، ويتعلمون أن الأمان قد يكون مؤقتًا، وأن السند قد يختار الغياب.
كم من طفلٍ سأل نفسه في صمت:
“هل كنتُ سببًا في رحيله؟”
وكم من قلبٍ صغير كتم دموعه حتى لا يُثقل أمًا تحاول أن تكون أمًا وأبًا في آنٍ واحد؟
الأب الهارب قد يظن أنه نجا اليوم، لكنه لن ينجو من ذاكرة أبنائه غدًا.
فالطفل يكبر… ويتذكر.
وينجح… ويتجاوز.
وربما يصل إلى يومٍ لا يحتاج فيه لمن تركه.
وهنا فقط يدرك الحقيقة:
أن الهروب كان سهلًا، لكن خسارة لقب “أب” لم تكن يومًا أمرًا هيّنًا.
فالأبوة ليست قدرة على الإنجاب…
بل قدرة على البقاء.













