مقالات متنوعة
أخر الأخبار

الرضا.. مقام القلوب المطمئنة

الرضا.. مقام القلوب المطمئنة

بقلم: د. أحمد النجار 

يُعدّ الرضا من أعظم المقامات الإيمانية التي يسعى إليها المؤمن، وهو حالة من السكينة العميقة التي تسكن القلب حين يوقن الإنسان أن ما يقدّره الله له هو الخير، حتى وإن بدا في ظاهره عسيراً أو مؤلماً.

فالرضا ليس مجرد قبولٍ صامت للأقدار، بل هو يقينٌ عميق بأن تدبير الله أرحم وأعلم من تدبير الإنسان لنفسه. ولذلك يعلّمنا القرآن أن نظرتنا للأحداث قد تكون قاصرة أمام علم الله الواسع، قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

(البقرة: 216)

 

إن الرضا يحرر الإنسان من الصراع الداخلي مع الأقدار. فكثير من الناس يقضون أعمارهم في التساؤل: لماذا حدث هذا؟ ولماذا لم يحدث ذاك؟ بينما القلب الراضي يعلم أن كل شيء يجري بحكمة إلهية دقيقة. ولهذا كان من أعظم مراتب الإيمان أن يصل العبد إلى مرحلة يرضى فيها عن الله في كل حال، فينال بذلك رضا الله عنه، كما قال سبحانه:

﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

(المائدة: 119)

 

ولكي نفهم معنى الرضا بصورة أقرب، يمكن أن نتأمل بعض الأمثلة من واقع الحياة

المثال الأول: فقدان وظيفة

قد يفقد إنسان وظيفته فجأة فيشعر بالضيق والحزن، وربما يرى أن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهه. لكن بعد مدة قد يجد عملاً أفضل، أو يبدأ مشروعاً خاصاً يحقق له نجاحاً أكبر مما كان يتوقع. عندها يدرك أن ما ظنه خسارة كان في الحقيقة باباً لخيرٍ لم يكن يراه. وهذا المعنى يتجلى في قول الله تعالى:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾

(الطلاق: 2–3)

المثال الثاني: مرضٌ يغيّر حياة الإنسان

قد يُصاب إنسان بمرضٍ شديد فيتغير مسار حياته، لكنه مع مرور الوقت يكتشف أن هذا المرض جعله أقرب إلى الله وأكثر وعياً بقيمة الحياة والصحة. وكثيراً ما نرى أشخاصاً غيّر المرض شخصياتهم فصاروا أكثر صبراً ورحمة بالآخرين. وهنا يتجلى معنى قوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

(التغابن: 11)

فهداية القلب هنا تعني الطمأنينة والرضا رغم الألم.

المثال الثالث: تأخر أمرٍ يتمناه الإنسان

قد يتمنى شاب الزواج من فتاة معينة، أو يسعى لتحقيق حلمٍ معين، ثم لا يتحقق ذلك رغم جهده. فيشعر بالحزن في البداية، لكنه بعد سنوات يكتشف أن الله اختار له طريقاً أفضل وشريك حياةٍ أنسب، أو فرصة أعظم مما كان يتخيل. حينها يتذكر قوله تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

(البقرة: 216)

إن هذه الأمثلة اليومية تُظهر لنا أن الرضا لا يعني ترك السعي أو الاستسلام للكسل، بل هو الجمع بين العمل الجاد والتوكل على الله. فالإنسان يجتهد ويسعى، ثم يسلّم النتائج لله مطمئناً، مصداقاً لقوله تعالى:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

(الطلاق: 3)

ومن أجمل صور الرضا ما يظهر في حياة الإنسان حين يقارن نفسه بغيره. فبدلاً من أن ينظر إلى ما في أيدي الناس بحسرة، ينظر إلى ما أنعم الله به عليه بعين الشكر. فالرضا يولّد الامتنان، والامتنان يولّد السعادة. ولهذا يذكّرنا القرآن بأن الله لا يحمّل الإنسان فوق طاقته، فقال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

(البقرة: 286)

وفي النهاية، يصل المؤمن الذي يعيش بروح الرضا إلى حالة من الطمأنينة العميقة، فيصبح قلبه هادئاً حتى وسط العواصف. هذه هي النفس التي وصفها القرآن بقوله:

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾

(الفجر: 27–30)

فالرضا في حقيقته نورٌ يسكن القلب، يجعل الإنسان يرى الحياة بعينٍ مختلفة؛ عينٍ تدرك أن كل ما يحدث هو جزء من حكمة إلهية عظيمة. وحين يسكن الرضا قلب الإنسان، تتحول الحياة كلها إلى رحلة هادئة بين الشكر والصبر، ويظل القلب مطمئناً بقول الله تعالى:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

(التوبة: 51)

د. أحمد النجار

أستاذ ورئيس قسم علوم الحاسب، كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، جامعة بني سويف. نائب مدير مكتب التصنيف الدولى، جامعة بني سويف مؤسس ورئيس المجموعة البحثية الابتكارية SIGR كاتب صحفي بجريدة العدد الأول
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي