مقالات متنوعة
أخر الأخبار

ضريبة الوعي

ضريبة الوعي

بقلم: د. أحمد لطفي شاهين 

 

من يرى أكثر مما ينبغي، ينتهي به الأمر غريبًا في كل مكان، إن الثمن الذي قد يدفعه الإنسان يكون باهظًا عندما يرى العالم بوضوح أكبر الجميع.. 

فحين يعتاد الناس على أفكار أو عادات أو تفسيرات معينة للحياة، يصبح من الصعب عليهم تقبّل من يراها بطريقة مختلفة أو أعمق.

بينما الإنسان الذي يلاحظ التفاصيل المخفية، أو يفكك القناعات التي يعيش عليها الآخرون، قد يجد نفسه منفصلًا عن المجتمع دون أن يقصد.. ليس لأنه يريد الابتعاد، بل لأن طريقته في فهم الأمور لم تعد منسجمة تمامًا مع ما يعتبره الآخرون بديهيًا.

إذن..

 الرؤية العميقة قد تمنحك فهمًا أكبر للعالم، لكنها أحيانًا تخلق شعورًا بالعزلة؛ لأن من يرى أكثر، لا يستطيع دائمًا أن يعيش بالبساطة نفسها التي يعيش بها الآخرون.

إن الحياة محطات نتقابل فيها مع نوعيات مختلفة من البشر فنقترب من البعض، ونترك بيننا وبين البعض منهم مسافات، والمشترك بين ذاك وذاك أننا نتعلم من الجميع.

وأن ليس كلُّ ما يوقظ القلب يُفرِحه… فالوعي أحيانًا يكون الوعي أشبه بفتح نافذةٍ في غرفةٍ ظلّت سنواتٍ مغلقة.

يدخل النور… نعم. لكنّه يكشف أيضًا ما لم تكن تراه.. الوعي في بدايته ليس راحة، بل يقظة.

يقظة تُسقِط كثيرًا من الأوهام التي كانت تُجمِّل العالم في عيوننا.

ترى الكلمات كما هي…

وتقرأ ما وراء المواقف…

وتفهم أحيانًا ما كان قلبك يرفض تصديقه.

تدرك أن بعض الوجوه التي ظننتها ملاذًا لم تكن إلا محطة عابرة. وأن بعض العهود التي بدت ثابتة كانت أخفَّ من أن تصمد أمام أول اختبار.

هنا يبدأ الإنسان بدفع ضريبة الوعي.

ضريبة أن ترى بوضوح.

أن تفهم الناس أكثر مما ينبغي أحيانًا.

أن تسمع ما بين الكلمات… لا الكلمات فقط.

لكن الحقيقة التي يكتشفها كل من سار في هذا الطريق هي أن الوعي قد يؤلمك في البداية… لكنه ينقذك في النهاية.

فالإنسان قبل الوعي قد يعيش مرتاحًا قليلًا، لكنه قد يكون فريسة سهلة لكل خداع. أما بعد الوعي فربما تقلّ الدهشة، لكن تزيد السلامة.

ولهذا كان القرآن الكريم يوقظ العقول دائمًا بنداءٍ متكرر:

﴿أفلا تعقلون﴾

﴿أفلا يتفكرون﴾

لأن النجاة في هذه الحياة ليست بكثرة ما نملك…

بل بعمق ما نُبصِر.

قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبصَارُ وَلَٰكِن تَعمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

فالعمى الحقيقي ليس أن لا ترى… بل أن ترى ولا تفهم.

والوعي الحقيقي.. ليس أن تكشف ظلام الناس فقط، بل أن تحافظ على نقاء قلبك رغم ما عرفت.

تلك هي المعادلة الصعبة:

أن تكون واعيًا.. دون أن تصبح قاسيًا.

أن تفهم الدنيا.. لكن لا تفقد رحمتك.

وأن ترى كل شيء بوضوح ثم تختار أن تبقى إنسانًا.

اللهم ارزقنا بصيرةً تهدينا، وقلبًا نقيًّا لا تفسده خيبات الطريق، وعقلًا يرى الحق حقًّا فيتبعه.

وصل اللهم  على حبيبنا محمد وآله وسلّم

ختاماً..

 لا ضمانات في هذه الدنيـــا، مهمــا أرهقت نفسـك في ترتيبهــا كما تشتهي، الضمـان الوحيد هـو نيتـك..

 فإن صلحت نيتك، تكفّل الله أن لا يضيعــك.

 

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي