مقالات متنوعة
أخر الأخبار

حين تتحوّل الكلمة إلى غُلٍّ في جيادِ النساء

حين تتحوّل الكلمة إلى غُلٍّ في جيادِ النساء

بقلم: د. مروة حمدي

 

هل سمعتِ يومًا عن عنفٍ لا يبدأ من اليد؟

نعم، هناك عنفٌ كثيرًا ما يبدأ من الكلمة؛ كلمةٌ تُقال باستخفاف، حكمٌ يُلقى بلا تروٍّ، ونظرةٌ تختزل إنسانًا في لحظة ضعف. هذا هو العنف غير المادي؛ عنفٌ لا يُرى، لكنه يُمارَس بعمق، ويتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى يُصبح مألوفًا، بل ومبرَّرًا أحيانًا.

في بعض المجتمعات، تُوضَع المرأة في موقع المساءلة المستمرة، كأنها مسؤولة عن توازن كل ما حولها في هذا الكوكب، فإذا اختلّ بيتٌ، وُجِّه اللوم إليها، وإذا تعثّرت علاقة، حُمِّلت عبء الفشل، وإذا أخطأت -وهو حقٌّ إنساني- حوصرت كأن الخطأ امتيازٌ لا يُسمح لها به.

هكذا تتحوّل الكلمة إلى أداة ضغط، ويغدو الخطاب اليومي مساحةً خفيةً لممارسة القسوة، لا تقل أثرًا عن أي عنفٍ ظاهر، بل قد تكون أشدّ ألمًا.

العنف غير المادي لا يصرخ، لكنه يتكرّر. يتكرّر في التقليل مما تفعله المرأة في حياتها اليومية، في المقارنات الجائرة، في التشكيك في قدرتها على تحمّل أعباء الحياة، حتى يتسلّل إلى أعماق روحها، فيتحوّل إلى صوتٍ داخلي يهمس: “لستِ كافية”.

ومع الزمن، لا تعود القسوة بحاجةٍ إلى مصدرٍ خارجي؛ إذ تتولّى النفس تكرارها، وتُعيد إنتاجها في صورٍ متعددة، فقد تشّبعت قهرًا.

وليس هذا العنف حكرًا على الرجل وحده، بل قد يصدر كثيرًا من امرأةٍ تجاه امرأةٍ مثلها. وهو وجهٌ أكثر تعقيدًا، إذ يتخفّى في هيئة “نصيحة” أو “حرص”، وربما كلمة عابرة، لكنها تُجلد الروح قبل الجسد. في جوهره، يكون محاولةً لإعادة تلك التي خرجت عن الصمت إلى دائرة القبول بالإهانة.

فبعض النساء، وقد اعتدن الألم وتكيّفن معه، يسعين – بوعيٍ أو بدونه – إلى فرض النموذج ذاته على غيرهن: تحمّلي، اصمتي، لا تعترضي. وكأن الألم، حين يطول، يتحوّل إلى معيار تُقاس به قوة المرأة على الصبر.

هنا، لا يكون العنف فعلًا فرديًا، بل منظومةً تُعيد إنتاج ذاتها عبر الجميع. وتصبح المرأة، في بعض الحالات، حارسةً لحدودٍ لم تخترها، لكنها ألفتها.

وهذا ما يجعل كسر الدائرة أكثر صعوبة، لأنه لا يواجه فردًا، بل ثقافةً مجتمعية كاملة.

ولا يتوقف أثر هذا العنف عند المرأة، بل يمتدّ إلى الطفل. فالطفل الذي ينشأ في بيئةٍ تُهان فيها الأم، أو تُكسَر فيها المرأة بالكلمة، يتعلّم أن القسوة سلوكٌ طبيعي، وأن الاحترام مشروط.

وهكذا تُعاد صياغة العنف في جيلٍ جديد، ما لم تُكسر هذه الدائرة المغلقة بوعيٍ صادق.

إن مواجهة العنف غير المادي تبدأ بالانتباه للكلمة قبل إطلاقها، وبمراجعة الأحكام قبل تثبيتها، وبإعادة النظر في المعايير التي نقيس بها المرأة.

تبدأ بإدراك أن الخطأ لا يُلغي الإنسان، وأن القسوة لا تُصلح، وأن الصمت ليس دائمًا فضيلة.

من حق المرأة أن تحيا حياةً كريمة، أن تخطئ فتتعلم، أن تُحاط بالدعم لا بالإدانة، وأن تُعامل بوصفها إنسانًا كاملًا لا جسدًا يطمع فيه، ولا مشروع اتهام دائم تعلق عليه الخيبات.

ومن حقها أيضًا أن تجد في النساء حولها سندًا دون قسوة مضاعفة حتى من أقرب الناس، فالخروج عن المألوف النسق يشين العائلة وهكذا عهدنا من قبلنا أسمع صوت نسوة المدينة. 

 

لقد شهدنا حالاتٍ انتهت فيها الحياة إلى وداعٍ موجع، ولم يكن الموت خيارا لهم بل إحبارًا ، لأن القسوة كانت أثقل من الاحتمال وحتى في هذا لم يكف المجتمع عن لومهم بعد الرحيل. 

وهذا وحده كافٍ ليدعونا إلى التوقّف، والمراجعة، والإنقاذ، مراجعة قوانين المرأة والطفل، الحياة بعد الانفصال، مشاركة المسؤولية، وحتى إن اختارت المرأة نفسها فهو حق كما للرجل ، فلماذا نكيل بمكيالين؟ 

 

إن المجتمع الذي يختار أن يُنصت بدل أن يُدين ويعيب الضعف، وأن يرحم بدل أن يقسو. ويبحث عن حلول، هو مجتمعٌ ينجو بنفسه قبل أن ينقذ مافيه. فالكلمة، وإن بدت بسيطة، قد تكون غُلًّا يُقيّد… وقد تكون مفتاحًا للنجاة.

إليكِ يا بنت حواء..

الياءُ أولى بكِ من الكسر،

فلا تنكسري… ولا تتجمّدي في صمت

كوني أنتِ… وكفى.

بألم رصاص.. مروى حمدي

عبير طه سعد

عبير طه سعد رمضان، حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الفرنسية من جامعة المنصورة عام 2005. تعمل في الصحافة منذ سنوات، وتشغل حالياً رئاسة قسم الديسك بجريدة العدد الأول، بعد توليها رئاسة قسم المقالات بنفس الجريدة. متخصصة في التحرير والمراجعة اللغوية، وتتميز بالدقة والاهتمام بالأسلوب الصحفي المتوافق مع معايير الكتابة الصحفية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي