
صرخة بسنت.. ليست ضد رجل، بل ضد وجعٍ أكبر
بقلم: د.عبير عاطف
حين يتحول الألم الإنساني إلى معركة اتهامات…لم يكن ما شاهدناه مجرد بث مباشر… بل كان انهيار إنسان.
لحظات قليلة، لكنها كانت كفيلة بأن تترك في قلوبنا أثرًا لا يُمحى. صرخة بسنت سليمان لم تكن صوتًا عابرًا، بل كانت وجعًا مكثفًا خرج دفعة واحدة، وكأنها تلخص سنوات من الصمت والخذلان.
لكن… وبينما انشغل الجميع بالحزن، انشغل البعض بتوجيه الاتهام نحو جميع الرجال وأصبحنا نقرأ كثيرًا أن الرجل هو الطرف المسئول عن انهيار المرأة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
ما حدث لم يكن قصة رجل وامرأة، ولا معركة بين طرفين، بل كان نموذجًا لإنسان وصل إلى مرحلة الاستنزاف النفسي الكامل. من استمع جيدًا لكلماتها، يدرك أنها لم تكن تشير إلى شخص واحد فقط، بل كانت تتحدث عن شعور أعمق: خذلان متعدد، وضغط متراكم، ووحدة قاتلة.
ورغم ذلك، تحولت القصة في بعض الطروحات إلى اتهام موجه للرجال، وكأن الألم له اتجاه واحد، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وإنصافًا مما يُطرح.
في المقابل، هناك وجه آخر لا يُروى كثيرًا. رجال أيضًا أنهوا حياتهم تحت وطأة الضغوط الأسرية. حالات متعددة في مصر خلال السنوات الأخيرة كشفت عن رجال أنهوا حياتهم بسبب خلافات زوجية حادة، وآخرين بسبب أزمات مادية مرتبطة بإعالة الأسرة، وشباب لم يحتملوا ضغط التوقعات الاجتماعية داخل بيوتهم.
ورغم تكرار هذه الوقائع، فإنها تمر غالبًا بصمت، لأن الرجل لا يُسمح له بالانهيار، ولا يُشجَّع على طلب المساعدة.
الانتحار لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تراكمات نفسية معقدة. يشير علم النفس الإكلينيكي إلى ما يُعرف بالاستنزاف النفسي، وهو حالة من الإرهاق العاطفي والعقلي الشديد، يشعر فيها الإنسان أنه استُهلك بالكامل.
كما يظهر مفهوم العجز المتعلم الذي طرحه عالم النفس Martin Seligman، حيث يصل الفرد إلى قناعة داخلية بأنه غير قادر على تغيير واقعه مهما حاول. وفي هذه الحالة يحدث ما يُعرف بالإدراك النفقي، حيث تضيق رؤية الإنسان للحلول، فلا يرى سوى مخرج واحد.
وتؤكد تقارير World Health Organization أن الضغوط الأسرية والاقتصادية من أبرز أسباب الانتحار، وأن الرجال يمثلون نسبة أعلى في معدلات الانتحار عالميًا نتيجة قلة طلب الدعم النفسي. وهذا يعزز الفكرة الأساسية: الألم النفسي لا يميز بين رجل وامرأة، بل بين من يجد من يحتويه ومن يواجهه وحيدًا.
المشكلة الحقيقية ليست في البحث عن “المخطئ”، بل في فهم “المنهك”.
فالإنسان حين يصل إلى حافة الانهيار لا يفكر في الاتهام، بل في الهروب من الألم. وتحويل المأساة إلى صراع بين طرفين هو تبسيط مخل يحجب عنا جوهر المشكلة.
إذا أردنا أن نتعلم من هذه الواقعة، فعلينا أن نتجه نحو عدالة أكثر شمولًا. نحن بحاجة إلى قوانين أسرة تحقق التوازن وتحمي الجميع الزوج والزوجة والأبناء، وإلى دعم نفسي مجتمعي حقيقي، وإلى ثقافة تعترف بأن طلب المساعدة ليس ضعفًا بل وعي.
في النهاية، لم تكن بسنت قصة رجل ولا قصة امرأة، بل كانت قصة إنسان تألم كثيرًا فلم يجد من يحتوي ألمه. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا، لا لنحكم… بل لنفهم؛ لأن الاستنزاف النفسي حين يبلغ ذروته، لا يسأل من أنت… بل يسأل: هل بقي لديك ما يكفي لتستمر؟













