
لماذا يصطف العرب مع إيران؟
بقلم: مصطفى نصر
* الرأي الشائع جدًا في الشارع العربي، ويُلخصه كثيرون هو أن “العدو الأبعد أفضل من العدو الأقرب” أو “عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي، لكنه أقل ضررًا الآن”.
الرأي العام الشعبوي العربي – ولا سيما في مصر – متعاطف مع إيران، لكنه ليس تعاطفًا حقيقيًا مع إيران كدولة أو بنظامها الثيوقراطي أو مشروعها التوسعي، بل رفضًا غريزيًا ومبدئيًا لإسرائيل، التي يرونها كعدو تاريخي ووجودي يحتل أرضًا عربية ويقتل الفلسطينيين يوميًا.
* ما تقوله استطلاعات الرأي العربية (2024-2025، مع استمرار الاتجاه في 2026): هو أن إسرائيل تتصدر قائمة “التهديد الأكبر للأمن العربي” بنسبة 44% في مؤشر الرأي العربي (Arab Opinion Index)، تليها الولايات المتحدة بنسبة 21%، بينما تأتي إيران متأخرة جدًا بنسبة 6% فقط.
– 80% يرون القضية الفلسطينية “قضية عربية جماعية” وليست فلسطينية فقط.
– في دول المشرق (العراق، الأردن، لبنان، سوريا، فلسطين)، ترتفع نسبة اعتبار إسرائيل التهديد الأول إلى 53%.
– حتى في الخليج، إسرائيل غالبًا ما تكون أعلى أو منافسة لإيران كتهديد في نظر الشارع، رغم أن الحكومات ترى إيران أخطر عمليًا، وهذا يفسر لماذا يظهر تعاطف شعبي مع إيران (أو على الأقل عدم الفرح الصريح بهزيمتها) عندما تتعرض لضربات أمريكية-إسرائيلية، رغم أن الكثيرين يعرفون جيدًا جرائم إيران وحلفائها في العراق (الحشد والميليشيات)، سوريا (دعم الأسد في قتل مئات الآلاف)، اليمن (الحوثيين)، لبنان (حزب الله الذي يُتهم بتدمير الدولة)، والبحرين والسعودية.
* لماذا يحدث هذا “التعاطف غير الحبيب”؟
يبرز هذا التعاطف لعدة أسباب: أولها أن الذاكرة التاريخية والإعلام على مر عقود من الخطاب العربي الرسمي والشعبي (من اليسار القومي إلى الإسلاميين) صوّرت إسرائيل كـ”الكيان الصهيوني” الغاصب، والصراع معها كـ”قضية مركزية”. إيران، رغم كونها فارسية شيعية ومنافسة، تستغل هذا الخطاب جيدًا عبر “محور المقاومة” وشعارات “الموت لإسرائيل” ودعم حماس والجهاد.
كما أن من محفزات هذا التعاطف العداء لأمريكا و”الإمبريالية” لأن أميركا تنحاز لاسرائيل، فليس عداء العرب لأمريكا متوجه الشعب الأمريكي بل للإستراتيجية الامريكية الرسمية بدعم اسرائيل. * كما أن كثير من العرب يرون أن الحرب على إيران (خاصة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة) هي امتداد لحروب العراق وليبيا وسوريا، وليس دفاعًا عن العرب. ويخشون أن يؤدي ضعف إيران إلى “هيمنة إسرائيلية مطلقة” بدون رادع، مما قد يشجع على ضم الضفة أو تهجير أو توسع آخر.
* الفجوة بين الحكومات والشارع:
* الحكومات الخليجية (السعودية، الإمارات، البحرين) تعتبر إيران التهديد الرئيسي، وتتعاون أمنيًا واستخباراتيًا مع إسرائيل والولايات المتحدة ضد النووي الإيراني والميليشيات، أما “الشارع” (خاصة في مصر، الأردن، المشرق، المغرب العربي) فيظل أكثر تأثرًا بالعواطف الفلسطينية والصور من غزة.
* كما أن من عوامل التعاطف مع إيران البراغماتية السلبية، فما دامت “إيران تضرب إسرائيل جيد مؤقتًا”، حتى لو كانت إيران تدمر دولًا عربية أخرى. هذا ليس حبًا للنظام الإيراني (الذي يُكره في سوريا بعد سقوط الأسد، وفي العراق، وفي لبنان بين كثيرين)، بل بحساب “العدو المشترك”.
* الجانب الآخر المهم: ليس كل العرب كذلك. في الخليج خاصة، وفي أوساط مثقفة وعروبية، يزداد الوعي بأن إيران أخطر لأنها “عدو داخلي” يتدخل مباشرة في الشؤون الداخلية، يستغل المذهب، ويبني ميليشيات موازية للجيوش الوطنية. هجمات إيران أو وكلائها على دول خليجية أو أردن أو مصر (حتى لو كانت ردًا) زادت الكره لها.
– بعد حروب غزة والضربات على حزب الله وسقوط الأسد وضعف الحوثيين، انكشف لكثيرين أن “المحور” لم يحرر فلسطين بل أضعف العرب أنفسهم.
– ختاماً: فإن التعاطف الشعبوي مع إيران غالبًا ما يكون سطحيًا ومؤقتًا؛ لو حدث تصعيد إيراني مباشر ضد دول عربية، ينقلب بسرعة، لذا فإن هذا التعاطف يعكس فشلًا عربيًا مزمنًا في بناء رؤية استراتيجية واضحة: لا حب لإيران، ولا ثقة كاملة بإسرائيل أو أمريكا، وخوف من أن يصبح العرب “كرات” في لعبة الآخرين. النتيجة: موقف عاطفي يضر بالمصالح طويلة الأمد، ويمنع تشكيل تحالفات براغماتية حقيقية ضد التهديدات الفعلية (سواء النووي الإيراني أو الاستيطان الإسرائيلي)، والوضع في 2026 (بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران) أظهر هذا الانقسام بوضوح: حكومات عربية حاولت التهدئة خوفًا من الفوضى والرد الإيراني، بينما الشارع انقسم بين من يرى “انتقامًا من إسرائيل” ومن يرى “خطرًا إيرانيًا مستمرًا”.













