
إنسانية مستترة
الكاتبة: عبير حسن جادالله
وقف عند نافذته بغيظ، يراقب الأثاث وهو يُنقل إلى الشقة المجاورة. لم يكن بحاجة إلى مزيد من الإزعاج في حياته، لكن يبدو أن الواقع له كلمة أخرى.
ظهر الجار الجديد بين العمال، يوجّههم بكلمات متقطّعة بلهجة ثقيلة لا تشبه لغة البلد. كان واضحًا أنه أجنبي، يتعثّر في التعبير ويكرر كلامه حتى يُفهم.
تابعه بنظرات ضيّقة، وانزعاج يتسلّل إلى صدره دون سبب واضح. لم يتبادلا كلمة، لكن حضوره كان كافيًا ليترك شعورًا بعدم الارتياح.
أغلق النافذة بقوة، وكأنّه يحاول أن يغلق معها بداية شيء لا يريده.
لم يدرك أن تلك البداية الصغيرة ستتحوّل سريعًا إلى توترٍ دائم لا يهدأ.
سكن الجاران، لكن لم يربط بينهما شيءٌ إلا الشجار، ولا يعرف الودُّ طريقًا إليهما. كانت الأصوات ترتفع، والخصومة تزداد، حتى حفظتهما الشرطة عن ظهر قلب.
حتى جاءت تلك الليلة؛ ضجّة، وسيارة إسعاف تتوقّف عند أحد البيتين، يخرج أحدهما وهو يتلوّى. حالته حرجة.
نظر الجار الآخر من نافذته ثم أغلقها. عدوّه يصارع الموت، “سيرتاح منه وأخيًرًا” ،ومع ذلك بقي شيء في صدره لا يهدأ… أهو فراغ الخصام أم الاعتياد عليه؟
مرّت الأيام، وغاب الصوت الذي كان يملأ المكان. لا غضب يومي، ولا شتائم مألوفة. فتساءل: أين هو؟ ثم علم أنه ما زال في المستشفى
ترك المكان وعاد إلى البيت يردد
فى سره قد ذهب ورجعت الأيام كسابقها لا خلاف ولا شجار .
أمضى يومه لكن بدى عليه الحيرة وعدم الراحة.
فجلس فى شرفة منزله وأغمض عينه وشرد ذهنه فى الأحداث الماضيه بينه وبين جاره ودار حوار فى ذهنه كان هو من يطرح السؤال وأيضا من يجاوب
لماذا كان الشجار؟ ولماذا لم أتقبل
وجوده؟ فهو جارا والرسول أوصانا على الجار.
كان يكفى أن ألقى عليه السلام أو الصباح وكفى لم الشجار الدائم
والمحاضر ؟
كان بإمكانى أن أتقبل وجوده جارا يؤنس وحدتى حتى من غير أن نتكلم مجرد صمام أمان ألجأ إليه فى شدتى
افتعلت معه الشجار، فى حين أنه كان من الممكن أن نكون أصدقاء فكل منا يعانى الوحدة وقضاء الوقت بمفرده.
كان من الممكن أن نقضى جزء من الوقت معًا فى لعبة شطرنج أو طاولة أو نتبادل حديثًا ونناقش موضوع مهم على الساحة.
ما هذا الضيق الذى أشعر به ؟
هل تعودت على وجوده أم على الشجار معه ؟
لا شك أنى أفتقد وجوده.
ودخوله المستشفى كان درسا لى يُقظنى من غفلة ويعلمنى أن المعاملة الحسنة أفضل من الشجار وأن المودة بين الجيران نعمة.
لما كان كل هذا كان الأمر أبسط بكثير مما فعلت؟
أعترف اليوم إن ندمت على مافعلت معه.
ترك الكرسى وقام مسرعًا ليرتدى ثيابه ليذهب إليه فى المستشفى
ويطلب منه أن يسامحه على مامضى ومن اليوم سيكون صديقا وجارا له حقوق وواجبات عليه.
لم يترك يومًا واحدًا دون زيارته فى المستشفى، حتى تم شفاؤه وكتب له الدكتور خروج وعاد إلى المنزل من جديد.
بداية جديدة مختلفة عن أول مرة؛ عاد ليجد جاره فى استقباله مرحبًا به أخًا وصديقًا وجارًا عزيزًا عليه يقضيان معظم وقتهم معا حتى تعلم كلا منهم لغة الأخر وتحول شجار الماضى إلى علاقة يشيد بها الجميع وينعم من حولهم بالهدوء.
دائما تأتى المحن لتختبر جوهر الإنسان وما بداخله من خير وحب للجميع.













