
الشغف بين الإلهام والحكمة
بقلم: مراكشي رهواجة
الشغف قوة جميلة تدفع الإنسان إلى السعي والتطور وتحقيق الأحلام، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول من دافعٍ للحياة إلى محورٍ تدور حوله الحياة كلها.
فبعض الناس يتعلقون بهدف أو حلم إلى درجة تجعلهم يستهلكون وقتهم وطاقتهم وأفكارهم في ملاحقته، حتى ينسوا الاستمتاع بما يملكونه في حاضرهم.
المشكلة ليست في الشغف نفسه، بل في الطريقة التي نُديره بها. فكلما اعتقد الإنسان أن حلمه بعيد المنال، ازداد تعلقه به، وقد يندفع أحيانًا إلى تقديم تنازلات لا تنسجم مع قيمه أو كرامته أو راحته النفسية.
وعندما يحدث ذلك يصبح تحقيق الحلم مكلفًا أكثر مما ينبغي.
الحلم الصحي هو الذي نسعى إليه بإمكاناتنا وقدراتنا، خطوةً بعد خطوة، دون أن نفقد توازننا أو نسمح لأحد باستغلال رغبتنا في النجاح. فالأهداف العظيمة لا تستحق أن نخسر من أجلها أنفسنا، بل تستحق أن ننمو ونحن نسير نحوها.
ومن طبيعة الإنسان أن يكتشف بعد تحقيق بعض أحلامه أن السعادة لم تكن في الوصول فقط، بل في الرحلة نفسها. لذلك لا ينبغي أن نجعل هدفًا واحدًا يختصر معنى الحياة كلها، فالحياة أوسع من حلم، وأغنى من إنجاز واحد.
وينطبق هذا أيضًا على العلاقات الإنسانية؛ فالحب الحقيقي لا يقوم على التنازلات المؤلمة أو التضحية بالذات، بل على التوافق والاحترام والتقارب في القيم والظروف. فكلما كان البناء متوازنًا، كانت العلاقة أكثر قدرة على الاستمرار.
إن الشغف عندما يقوده العقل يصبح مصدرًا للنمو والإنجاز والامتنان لكل من ساهم في النجاح. أما عندما يقوده الاندفاع وحده، فقد يدفع صاحبه إلى قرارات يندم عليها لاحقًا، فيربط حلمه بذكريات التنازلات التي قدمها في طريقه إليه.
لذلك، اجعل الشغف وقودًا لمسيرتك لا قيدًا يقودك. تمسك بأحلامك، لكن تمسك بنفسك أكثر. واسعَ إلى أهدافك بكل قوة، دون أن تتخلى عن قيمك أو توازنك أو احترامك لذاتك.
فالحلم الحقيقي ليس ما تصل إليه فقط، بل الشخص الذي تصبح عليه أثناء رحلتك نحوه.
فعندما تُبحر في مجالٍ تحبه، تشعر بأن الشغف يرافقك في كل خطوة، وأن العطاء ينبع من أعماق روحك دون تكلّف. يصبح التعب أكثر احتمالًا، وتتحول التحديات إلى فرصٍ للتعلّم والنمو، وتغدو الرحلة ممتعة مهما طال الطريق.
فالشغف المتوازن ليس ذلك الذي يستنزف الإنسان أو يدفعه إلى التنازل عن مبادئه، بل ذلك الذي يمنحه الطاقة للاستمرار ويضيف إلى حياته معنى وقيمة.
وإن أردتم أن تتذوقوا لذة الحياة، فاعملوا فيما تحبون، أو أحبوا ما تعملون، واجعلوا العقل رفيق الشغف حتى تبقى الرحلة جميلة والغاية أكثر جمالًا.













