أدبيثقافةقصة قصيرةمقالات متنوعة
عبير سعد وبنات القمر بين الجنسائية النسوية والواقعية الإنسانية

عبير سعد وبنات القمر بين الجنسائية النسوية والواقعية الإنسانية
بقلم: د. عيد صالح
لا تزال الواقعية بكل أشكالها الاشتراكية والنقدية والاجتماعية والواقعية بلا ضفاف والواقعية السحرية وأضيف إليها الواقعية الإنسانية والتي تمدنا بسرديات غاية في الجمال والعذوبة بعد أن تداخلت كل أشكال السرد وتمازجت في نصوص ما بعد الحداثة التي استفادت من التناصات الإبداعية والتاريخية وحتى النصوص الدينية كما في الكثير من نصوص هذه المجموعة القصصية والتي تناصت بالعنوان مع الأسطورة بنات القمر، ومع رواية عادل حمودة المسلسلة في الإذاعة..
ومع ذلك جاءت قصتها بنات القمر داخل المجموعة مختلفة وبالرغم من الفنتازيا التي غلفت النص الواقعي بحرية وجمال، ورغم أن المجموعة تُصنف كأدب نسوي جنساني تعالج قضايا المرأة عمومًا فهي ليست مضطهدة دائمًا، لكنها قد تكون قاسية وعدوانية كما في الأم لأكثر من شخصية في قصص المجموعة والتي دللت أبناءها وأفسدتهم، وكان مصيرهم كأعمالهم دراميًا.
كما أن النسوية في اضطهاد المرأة للمرأة تكون أقسى، والأغرب أن يكون من الأب لابنته المظلومة والمُتحرش بها إليكترونيًا.
الكاتبة بوعي وحماس وإبداع عرضت لكل نماذج القهر الجنسوي، حتى في المرأة الثمانينية التي تركها أبناؤها، وابنتها التي تزورها من حين لآخر، في قصة واقعية إنسانية غاية في الزراعة والإدهاش، ليس فقط لما تعرضت له الطبقة العاملة في دمياط وتمسك الزوجة بمحل زوجها لتحتفظ بذكراه، ورغم المتغيرات تقاوم، وهي تجلس أمام بيتها، تنتظر ابنتها وأحفادها، وصبي المقهى الذي أرسلته ليشتري لها سندويشًا وكوب ينسون بارد، لتموت على كرسيها.. في انتظار من يجيء متأخرًا بعد فوات الأوان.
نعود للبداية حيث عتبات النص، وهي ليست في العنوان الذي تعرضت له فقط ولكن في الإهداءات للمرأة والرجل، كما تلك العتبات التي تصدرت النصوص.. ومع أنني لا أحب حديث العتبات.. لأنها في الغالب تكون على حساب النصوص، وقد تجرنا للخروج عن الدلالة والرمز والظلال والإشارات التي تُشع من النصوص.
ومن ثم جاءت العتبات النصية والداخلية في مقدمة القصص على حسابها، وبدت وحدها كنصوص أو حِكم أو قطع أدبية تصلح أن تكون وحدها قصص ومضة أو حتى نصوص على النصوص لا عتبة لها، ولعل ذلك يرجع إلى اللغة التي كتبت لها، واستغرقت الكاتبة في نثر فني بين الشعر والنثر قائم بذاته ومكتفيًا بها.
والآن علينا أن نتلمس النسوية والواقعية الإنسانية والفانتازيا الأقرب إلى الأسطورة الشعبية هنا في هذه المجموعة البديعة.

* فتون
فتون وميلودراما الحياة في القصص المكررة..
غياب الزوج للبحث عن لقمة العيش في بلاد النفط والعملات الأجنبية.. ومن تظنه عطية الله لها ولأسرتها الضائعة.. يكون هو عطية الشيطان الذي ذج بزوجها في سجن صيدنايا.
ومع ميلودراما الحياة وعبثها وجنونها ومفارقاتها، أصبح الواقع أغرب من الخيال، وأصبحت الصُدف المصنوعة دراميًا متقبلة فنيًا.
أن تفتح التليفزيون فترى زوجك يطل من الشاشة، أشعث أغبر فاقدًا عقله وذاكرته من التعذيب.. ومع استغلال الحدث بخبث الساسة وانجرار الفن وراء الخدع الحياتية والخدع الإعلامية..
إلا أن غرائب الحياة تصنع نهاية لليلة كانت واعدة بالمتعة والسعادة.. لغد مفتوح لكل الاحتمالات..
هل يعود فاقد الذاكرة أبو الأولاد!!
هل تصيب عطية نوبة ضمير لفعلته الشنعاء!!
النهاية المفتوحة أنقذت النص من فجوات الافتعال والصناعة والبناء على حدث سياسي، صنعته الإمبريالية المتوحشة، لكنه الإنسان الغريب يدفع ثمن الصراع الوحشي المجنون ، ويجرف معه بقايا فتنة العُثملية فتون..!!
قصة تمزج النوستالجيا بالحنين للماضي، رغم نعمة الواقع وعطية القدر الذي بنى سعادته على شقاء زوجها بأنانيته وإجرامه.. إنه الواقع الأغرب من الخيال، والخيال الذي يُدمي القلوب وينكأ الجراح..
أبدعت الكاتبة في وصف الصدمة وتصويرها والنهاية المفتوحة والسرد المشوق.. فقط لغة السرد لغة الرواية لا لغة القصة القصيرة التي تعتمد الجملة القصيرة والتكثيف والحذف والإبانة بما بين الأسطر، وهي سمة قصص قصيرة يمكن أن تتحول إلى نوفيلات.. وقد سبق أن قلت أن هذا ليس عيبًا على حد قول ميلان كونديرا.
* كوب ينسون بارد والواقعية الإنسانية..
قصة الانهيار الاجتماعي والاقتصادي وتداعياته الإنسانية.. عجوز الثمانين التي تعيش مع نوستالجيا الماضي وترفض تأجير محل زوجها منجد الموبيليا الفنان في عصر الازدهار والزمن الجميل الذي تعيش على ذكراه بعد أن تركها ابناها، واحد سافر إلى الخليج والآخر لإيطاليا وتزوج ولم يعد إليها.
وابنتها التي تزورها من حين لآخر، فخرجت لتنتظرها وحفيديها أمام البيت، لتصطاد صبي المقهى ليحضر لها سندويشًا وينسونًا، لتأخر علبها حتى لا تُكلفه مرة أخرى، وهو لا يعرف أنها المرة الأخيرة التي سيحضر لها السندوتش واليانسون متأخرًا بعد أن حضرت ابنتها هي الأخرى متأخرة ولم يكن حاضرًا إلا ضجيج وصخب مشاهدة الكرة بتليفزيون المقهى، الذي افتتحه جارها ربما أيضًا لضيق الحال..
واقع اجتماعي مؤلم وحزين غادرته رغم أنها كانت تعيش منفصلة عنه بذكرياتها وأبنائها الغائبين وماضيها الجميل.
قصة إنسانية مفعمة بلحظات الصدق والعفوية لحياة عجوز تتوكأ على ماضيها وفي انتظار أبنائها وأحفادها تموت في ضجيج الشارع.. لعلها توقظ الناس ليتدبروا النهاية والمصير الإنساني.
كتبت باقتصاد وتدفق وسلاسة وتركيز، نموذج للقصة القصيرة الجيدة لغة وبناءً سرديًا ودلالة إنسانية عميقة دون مماطلة، وليست تحتاج إلى مدخل ولا خطاب إنشائي يمثل عبئًا على النص المُكتمل بذاته ومعناه.

* ميلاد حُلم.. والكتابة وسط النار
كلنا يعلم صعوبة الكتابة وسط الأحداث الدامية والتي لا تزال رغم الهدنة الهشة والتي سبقتها هدنة أخرى لعصابة مغتصبة دموية لا عهد لهم ولا ميثاق غير مزيد من القتل والتطوير العرقي، والذي يعرفه بالتأكيد كل فلسطيني شاهد قتل أمه وأبيه واغتصاب أخته، وعاش يعاني لا للانتقام لشرفه فقط لكن لمنع اغتصاب ما بقى من الأرض تحت وقع السلام الهش والاحساس بالفخر، والمجهول الذي لا يعرف مع إرادة المقاومة وفارق القوة والعتاد.
كل هذا الواقع _مهما حسنت النوايا وعظمت الموهبة، لا يمكن كتابة نص يستوفي بنيته النصية والدلالية، فلا يمكن في صخب المعارك والهدنات غير كتابة تقارير صحفية أو رسالة من قلب الحدث، أو سردية ذاتية.. باختصار نص الانفعال بلحظات انتصار مؤقتة.
* أدرينالين
قصة قصيرة رغم تكرارها جيدة لأنها ركزت على الحدث ذاته ومن خلاله تناولت الشخصيتين الزوجة والزوج المستهتر السادي الذي أضاع زوجته بانتحار جماعي..
البطل التراجيدي بتكوينه الفاسد شد معه زوجته وترك أبناءه للمجهول.
تصوير وسرد مشوق ومشهد به سينيمائية ووجول في الشخصيتين من الداخل في أسطر قليلة دون رطرطة أو استعراض، قصة رغم تقليديتها وواقعيتها المتكررة جيدة البنية والدلالة واللغة.
* صخرة لثلاث رجال
فانتازيا الواقع والمزج بين الحقيقة والحلم والخيال، وكما قيل الحلم جنين الواقع، الذي هو الخوف على القطيع والسهر على حراسته وأسطورة الشجرة الملعونة التي سكن الجن تحتها وحولها، وما تغذيه الأساطير الشعبية اتخذتها الكاتبة في سردية فانتازية بديعة مزجت فيه الواقع المُتمثل في الراكية والشاي والحراسة والنيل وشجرة الجميز العتيقة والظلال التي تلقي بالرهبة وتُمهد للدخول في الأسطورة.
والمرأة الغاضبة ” الجنية التي تحذرهم وتأمرهم بالطرد من الأرض والبحث عن مكان آخر للرعي.”
أجادت الكاتبة صُنع سردية فانتازية تصلح للصغار والكبار.. مما يؤكد موهبتها التي تحتاج للقراءة التي يحتاجها ويعكف عليها الكاتب كلما حقق إنجازًا حتى يكتمل وينضج مع ملاحظة أن أجمل نص لم يُكتب بعد.
* سَبْع الرجال والواقعية الاجتماعية..
من السخرية السوداء ومفارقات الحياة الأسرية للأسرة المطحونة بما كان يُسمى بالطبقة المتوسطة.
أجادت المؤلفة على كلمات جارحة لزوجها بدلًا من أن يشكرها لأنها تحمل عبء الأسرة وعبء أمه التي تزيد من مظلوميتها، لا بالشكر ولكن بترديد أن هذا من خير ابنها.
قصة واقعية اجتماعية نقدية.. لعبت على المفارقة والتي لا تحتاج للعتبة التي عابها السجع رغم جودة المعنى والفكرة.






