مقالات متنوعة
أخر الأخبار

الثانوية العامة بين تعب الشرفاء ونجاح الغشاشين

 

في صمت قاعات الامتحان، لا يسمع أحد صوت قلب الطالب المجتهد، وهو يكتب كأنّه يضع حبر عمره كله على ورقة واحدة. هو لم يأتِ ليجرب حظه، بل ليحصد تعب سنين، دموع أم سَهرت، وأمل أب اختصر الدنيا في نجاحه.

وبينما يخط هو إجابته بثقة العارف، هناك من على المقعد المجاور، يُخرج هاتفًا صغيرًا، أو ورقة مطوية، ينسخ منها ما لم يعرفه يومًا، وما لم يُرهق فكره فيه لحظة.

 

هكذا، في ظل ما أصبح يُسمى بـ”مواسم الغش”، تذوب العدالة تحت طاولة الامتحان. تتساوى الدرجات، لكن لا تتساوى القلوب ولا القصص. يتخرج من المدرسة من لم يكتب حرفًا بيده، بجانب من كتب مستقبله كله بعرق الجبين.

 

الغش في الثانوية العامة لم يعد مجرد تجاوز فردي، بل أصبح ظاهرة تهدد أخلاق المجتمع، وتزرع اليأس في نفس الطالب النزيه. لماذا أدرس وأجتهد إن كان الغشاش سيحصل على نفس المجموع؟ أين الدولة؟ أين الرقابة؟ أين قيمة العلم إذا أصبح يُشترى بالفهلوة بدل الاجتهاد؟

 

إن المساواة بين المجتهد والغشاش ليست عدلًا، بل ظلم مضاعف. هي طعنة في ظهر كل من تعب، واستهتار بمستقبل وطن. فالوطن لا يُبنى بالدرجات، بل بالأمانة. والنجاح لا يُقاس بالنتيجة، بل بالطريق الذي سلكته إليها.

 

لابد من وقفة جادة، تعيد للعلم هيبته، وللأمانة قيمتها. نريد نظامًا لا يكتفي بالشكاوى والتصريحات، بل يجرم الغش علنًا، ويعاقب عليه بصرامة. نريد أن نحمي الشرفاء من شعور الهزيمة، لا أن نكافئ الكذب على حساب الصدق.

 

في النهاية، قد ينجح الغشاش في الامتحان، لكنّه لن ينجح في الحياة. لأن الحياة امتحان طويل، لا يُسمح فيه بالغش، ولا يُنصف فيه من لم يحترم الرحلة.

أسماء سعد

كاتبة مصرية مهتمة بالفلسفة والهوية الثقافية لدمياط، تكتب مقالات أدبية وتأملية، حول الأعلام، وصحابة أسلوب صحفي مميز، وتمزج بين النثر والشعر، ولها أيضا كتابات تاريخية. صحفية بجريدة العدد الأول.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي