أدبيثقافةمقالات متنوعةنثر

الميتاسرد مقاربة مجموعة ” فنجان قهوة”

للكاتبة منى أحمد إبراهيم _ بقلم د. نجلاء نصيرنجلاء نصير

الميتاسرد مقاربة مجموعة فنجان قهوة

للكاتبة منى أحمد إبراهيم

 د. نجلاء نصير

 

تُشكّل مجموعة “فنجان قهوةحيزًا سرديًا يتجاوز الحكايات الجزئية ليكشف عن تمثيل تأملي للفعل السردي ذاته، مما يجعلها ميدانًا مناسبًا لتطبيق المنهج الميتاسردي في القراءة النقدية.

فالميتاسرد — بوصفه خطابًا يتأمل بنية الكتابة ويكسر الإيهام القصصي — يتيح تفكيك العتبات النصية (كالمقدمة والإهداءات)، وتَتَبُع صوت الكاتبة في توضيح دوافع الحكي، ومساءلة علاقة السارد بالقارئ والنص في آنٍ واحد.

 

في مقدمة المجموعة، تُعيد الكاتبة تعريف “القهوة” كطقس كتابي–شعوري، وتطرح فعل الكتابة بوصفه نوعًا من الإفاقة الصامتة، ما يجعل المقدمة نصًا ميتاسرديًا يسبق الحكي، لكنه يُحدده ضمنيًا. أما الإهداء الأول، فيأتي بصيغة وجدانية تكشف علاقة الكاتبة بالهوية العائلية، ويمنح “الأم” وضعًا رمزيًا–سرديًا، فيما الإهداء الثاني يؤسس لفعل الكتابة بوصفه حصيلة مشاركة وجدانية ومعرفية، لا فعلًا فرديًا معزولًا.

تتجلى الميتاسردية أيضًا داخل المتن القصصي، حيث تتداخل المقاطع التأملية مع صيغ الحكي، ويتكرر ظهور السارد بوصفه واعٍ بذاته وموقعه داخل النص. ففي قصة الملثم، مثلًا، تتحول مكالمة تلفزيونية إلى لحظة إدراك ذاتي يتجاوز الحدث، ويصبح “الخطاب الإعلامي” نفسه مادة للسرد، لا مجرد وسيلة.

ومن خلال هذه المقاربة، تهدف الدراسة إلى إبراز كيف تشتغل المجموعة على تفكيك وهم الحكي التقليدي، وجعل الكتابة نفسها موضوعًا سرديًا حيويًا، يحاكي القهوة: مألوفة، لكنها مفعمة بالدلالة والخصوصية.

وأبرز منظّريه مثل “Patricia Waugh” أو “Linda Hutcheon”

في هذه المجموعة، تمارس الكاتبة أسلوبًا يتراوح بين الحميمية الشعورية والوعي الكتابي، ما يجعل القصص تتداخل مع تأملات داخلية حول فعل الكتابة، ومعاني الحكاية، وإشكاليات الصوت السردي.

الميتاسرد أو Meta-narration هو نوع من الكتابة يعلّق فيه النص على ذاته، ويتأمل آليات الحكي، أو يتحدث السارد عن كتابة القصة نفسها، مما يخلق طبقة سردية واعية تنفصل عن الحكي التقليدي، وتُشرك القارئ في عملية التلقي من موقع نقدي.

في هذه المجموعة، تمارس الكاتبة أسلوبًا يتراوح بين الحميمية الشعورية والوعي الكتابي، ما يجعل القصص تتداخل مع تأملات داخلية حول فعل الكتابة، ومعاني الحكاية، وإشكاليات الصوت السردي.

التحليل السيميائي لغلاف “فنجان قهوة

الصورة والرؤية البصرية:

اليدين الممدودتين نحو بعضهما أعلى فنجان القهوة تحاكي لوحة “خلق آدم” لمايكل أنجلو، في استدعاء سيميائي لعلاقة الخلق أو التماسّ الوجودي بين شخصين، لكنها في هذا السياق تغدو رمزية للّقاء، التواصل الإنساني، والحنين، في لحظة عفوية تشبه لحظة تبادل الحديث على فنجان قهوة.

الفراشات تمثل عنصرًا رقيقًا نابضًا بالحياة، يرمز غالبًا للتحول، والحرية، والجمال، مما يعكس عاطفية النصوص وارتباطها بالأنثى، وربما دلالة على تطور الشخصيات داخل القصص.

فنجان القهوة المتوسط التصميم يحاكي “مركز العالم السردي” أو “المحور الدلالي” للمجموعة، حيث القهوة ليست فقط مشروبًا بل رمزًا للحميمية، الفضفضة، البوح، واللقاء.

الألوان الدافئة (البني، البيج، البرتقالي) تهيئ إحساسًا بالدفء والحنين والراحة النفسية، وهي مشاعر تُرافق عادة لحظات شرب القهوة أو جلسات التأمل السردي.

الرموز السيميائية:

البخار الخارج من الفنجان يتقاطع مع خطوط اليدين، مما يوحي بأن البوح القصصي ينبثق من هذا الفنجان، وكأن القهوة تحوّلت إلى وسيلة إبداعية للبناء السردي.

الخط العربي المستخدم في العنوان يحمل مسحة أنثوية وانسيابية، تدعم الجانب الحميمي للمجموعة القصصية وتُقربها من المتلقي العربي نفسيًا ولغويًا.

ثانيًا: تحليل العنوان “فنجان قهوة

سيميائيًا، يرمز إلى مساحة من الراحة والبوح والاعتراف، ويُحيل إلى فضاء داخلي خاص يجمع شخصين أو الذات مع ذاتها.

لغويًا، العنوان بسيط، مألوف، لكنه محمّل بدلالات نفسية وثقافية واجتماعية، خاصة في الوعي الجمعي العربي حيث يُعتبر “فنجان القهوة” مساحة للحديث، للتفكير، للحب، وللحزن.

رمزيًا، الفنجان هنا يحتمل دلالة اللقاء، وربما حتى الوحدة، اعتمادًا على السياق السردي الذي يقدمه، وقد يكون رمزًا لحالات شعورية متعددة تعيشها شخصيات القصص المختلفة.

ثالثًا: تحليل المقدمة

«ما بين شروق وغروب، يتجدد بداخلنا الأمل… إنه.. فنجان قهوة

التحليل:

أسلوب المقدمة أقرب للغة الشعر النثري، ينتمي ‏اسمها شكلك مالكيش حل ليه إلى خطاب وجداني تأملي.

المجاز حاضر بكثافة: فـ”العصفور”، و”الشجرة”، و”فجر الحصاد” ترمز للحياة، الأمل، الحلم.

التشبيه والرمزية: يظهر فنجان القهوة كرمزٍ لبداية يوم جميل، لكنه في عمق المعنى يُحيل إلى بداية تجربة قصصية أو رحلة وجدانية داخل المجموعة.

الوظيفة التعبيرية: المقدمة لا تمهد فقط للقصص، بل تخلق مناخًا شعوريًا قارئًا، وتدعو إلى استقبال النصوص بروح متأملة.

رابعًا: تحليل الإهداءين

الإهداء الأول (الصفحة 4):‏

إلى قلوب عامرة بالخير نشأت بين دفء أحضانها

اتجاه الإهداء شخصي/عائلي: يوجّه الشكر والامتنان للأب، الأم، الإخوة، الأسرة الصغيرة، الأصدقاء، والأساتذة.

دلاليًّا: الإهداء يعكس حسًّا إنسانيًا عاليًا، حيث ترتبط القاصة بمن حولها بعاطفة حقيقية، مما ينعكس غالبًا في شخصياتها القصصية التي تتسم بالصدق والحميمية.

القيمة الرمزية: تعكس الإهداءات نوع الشخصية الساردة؛ شخصية تحفل بالوفاء والامتنان، وتنتمي إلى محيط اجتماعي داعم.

الإهداء الثاني (الصفحة 7):

وإليك أيها القارئ

يتحول الخطاب إلى المتلقي، حيث تصف الكاتبة عملها بأنه “فنجاني” الذي أعدته بحب ومزجته بروحها، مما يمنح القارئ حميمية القرب.

تشخيص العمل (تشبيه العمل بالفنجان) هو استعارة بارعة تعمّق العلاقة بين النص والمتلقي، وتحفّز على التفاعل الشعوري مع القصص.

جاء الفصل  الأول  قصاصات بيضاء ” في ثلاثة عشر قصة وجدير بالذكر أن تقسيم المجموعة إلى فصول يحمل دلالات رمزية عميقة ويضفي بعدًا تأمليا على النص حين تكون القصص مترابطة شعوريًا أو فكريًا كما أن تقسيم المجموعة على فصول قد يحاكي مراحل في رحلة نفسية أو فكرية  وبرمز إلى تطور الشخصية أو تغيرات المجتمع، يخلق جدلية الثنائيات الضدية من خلال التناقض كما يوحي بمحاكاة الأعمال الكلاسيكية ويعزز رؤية الكاتب وتجربته الأدبية من خلال رسالة يرسلها للمتلقي بأن التجربة الأدبية ليست مجرد سرد، بل خوض في طبقات المعنى، فالقصاصات البيضاء ترمز للنقاء  ويتجلى ذلك في التركيبة النفسية لشخصيات القصص في هذا الفصل.

قصة لا أحب الفاصوليا

الميتاسرد داخل النص: تبدأ القصة بتعبير يومي يبدو بسيطًا، لكنه يتحوّل إلى بوابة تأملية حول الاختيار والرفض. الشخصيّة الطفولية تُجبر على تناول شيء لا تحبه، في استعارة رمزية تمثّل فرض الأنظمة الاجتماعية، ومحو صوت الذات.

التأمل الذاتي: نلاحظ استخدام السرد الداخلي الذي يُشبه حديث الكاتب إلى القارئ، كأن القصة تُكتب في نفس لحظة وقوعها، ما يمنح النص طابعًا “حيًا”، ويقترح أن الحكي ليس مجرد نقل للحقيقة بل موقف منها.

وعي الحكي: تطرح الساردة سؤالًا ضمنيًا: هل القصة تُكتَب لتحكي تجربة عابرة؟ أم لتُدين نوعًا من القهر الرمزي؟ وهذا يُحيل إلى الميتاسرد بوصفه تعليقًا داخليًا على وظيفة الحكاية.

قصة الملثم

الميتاسرد الصريح: تحتوي القصة على مشاهد داخل استوديو تلفزيوني، ما يجعل فضاء القصة هو فضاء الحكي الجماهيري نفسه. المذيع لا يتحدث فقط، بل يُستدعى عبر مكالمة رمزية من شخصية “الملثم” ليُعيد التفكير في هويته السردية.

السارد كمتلقٍ وناقل: يتقاطع صوت المذيع مع صوت المقاومة، ويصبح المنبر الإعلامي ميدانًا لتأمل ما يُقال وما يُحجب. هذا التحوّل يُظهر البطل وهو يتفكّر في دوره، وفي وظيفة الخطاب، مما يجسد الميتاسرد على مستوى بنية الشخصية.

النص كرسالة مزدوجة: في نهاية القصة، لا تُغلق الحكاية بنهاية تقليدية، بل بمكالمة مجهولة ترسِّخ الحيرة، وتعلّق على المفارقة بين المروي والمرئي، بين الواقع والسرد، مما يجعل القصة ذات طبقة تأويلية ميتاسردية عالية.

الكتابة بوصفها فعلًا وجوديًا:

وفي قصص مثل نبض الرحى و**”شاردة”**، لا نقرأ فقط عن وقائع، بل نشعر أن الساردة تُجرّب الكتابة كخلاص.

وكأن السرد ذاته:

يحمل أثر المقاومة (أنا أكتب كي لا أنهار.)

أو يصبح طريقة للنجاة من الروتين اليومي/المنهك.

وهذا يُظهر وعيًا بالكتابة كأداة للنجاة، لا كمجرد حكاية.

فضلا عن ذلك نجد حضور المؤلفة الرمزي داخل النصوص:

في أكثر من قصة، خصوصًا:

دخان

انتهى كل شيء

وظني فيك يا ربي جميل

فنجان قهوة

نلحظ أن الراوية تشبه صوت الكاتبة نفسها، وكأننا نستمع لصوت داخلي يتحدث عن الحكاية بوصفها شيئًا عاشته الكاتبة أو يُعاد ترتيبه وجدانيًا.

هذا التماهي يفتح مجال التأويل الميتاسردي، حيث المؤلفة تتخفى داخل ساردات متعددات، لكن الوجع واحد، واللغة واحدة.

الفصل الثاني قصاصات ملونة جاء في إحدى عشرة قصة

يشيرالعنوان رمزيًا: إلى شذرات من الحياة، أشبه بمذكرات أو أوراق عابرة تم قصّها من سياق يومي. الكلمة تحمل دلالة الاختزال والتعدد، أما “ملونة”، فتُوحي بالتنوع النفسي والوجداني في مضمون القصص.

سيميائيًا:

القصاصات تمثل “ما لا يُقال صراحة”، بل يُلمح إليه؛ واللون عنصر يوحي بانفعالات مختلفة من الحزن، الأمل، الغضب، أو الحنين.

ويتمثل تشظي الشكل السردي وانكساره:

في فصل قصاصات ملونة في قصة شاردة”، يتعمّد السرد أن يكون متقطعًا، غير خطي، غائمًا أحيانًا.

وهذا التشظي ليس اعتباطيًا، بل جزء من وعي النص بأنه لا يقدّم “قصة جاهزة”، بل “حالة سردية” تخترق القالب التقليدي. وهذا الفصل حفل بالقصص القصيرة قليلة الكلمات   وتماهى قلم الكاتبة مع الحيوانات والنملة و العنب  والعصفورفي وصفية إبداعية ونجحت في أنسنتهم.

أي أن الشكل هنا يتواطأ مع المضمون في تفكيك القصة كنوع أدبي ثابت.

ففي قصة دخان

الكتابة كاستبطان: السرد هنا يشبه التدوين الشخصي، أشبه بورقة داخلية تُكتب لحظة وقوع الشعور. لا توجد حبكة تصاعدية، بل تدفّق شعوري يجعل من الكتابة ذاتها فعل تنفيس وتنفس.

تأمل في الوظيفة السردية: الساردة لا تحكي الحدث فقط، بل تحلل شعورها حيال الحكي نفسه. كأنها تقول: أكتب لأنني أختنق، والدخان هنا ليس فقط أثر العلاقة، بل أثر الكتابة نفسها.

الميتاسرد كمفردة نفسية: تتداخل الجمل بين التأملات الشعورية في ص 89 ” في كل ليلة من ليالي وحدتي كنت أحرق سيجارة قربانا كانت، أو بركانًا لا يهم، يخرج دخانها مع أنفاسي المستعرة كجمرة من لهب ولظى لا يمكن مساسه ولا الاقتراب منه ..

قصة دخان لا تدور حول التدخين، بل حول العلاقة التي أصبحت فعل استهلاكٍ شعوري مستمر، تمامًا كما تستهلك السيجارة الجسد، وتخلّف دخانًا يملأ المكان. إنها قصة التصاعد الصامت للألم، وعدم القدرة على مواجهة الحقيقة. والسيجارة هنا لا تُشعل لإمتاعٍ، بل كاستعارة للذنب، الإدمان، أو الخسارة المقنّعة. والدخان؟ هو أثر هذا الحب حين يتحول إلى اختناق لا نصرخ فيه، بل نتنفسه بصمت.

الفراشة ص 92

أولًا: الفراشة كرمز سردي

🔹 الدلالة السيميائية في الغلاف

الفراشتان المرفرفتان حول يدَيْن تمتدان نحو فنجان القهوة ترمزان إلى التحول، التفلّت، وحتى الهشاشة الجميلة.

حضورها غير متمركز؛ إنها تحوم ولا تستقر، مما يرسّخ صورتها ككائنٍ عابر يحمل المعنى ولا يستقر فيه.

🔸 رمزية الفراشة داخل القصص

تمثل الذات في طور التحول: من الخنوع إلى الإدراك، من الألم إلى التحرر.

ترمز إلى الفكرة أو المشاعر التي لا يمكن الإمساك بها؛ تأتي وتذهب، لكنها تترك أثرًا.

في القصص التي تتناول العلاقات المهزوزة أو الأحلام المنهارة، ترمز الفراشة إلى إمكانية الإفاقة أو النجاة، لكنها لا تضمنها.

من منظور نفسي: الفراشة قد تعادل في رمزية “كارل يونغ” مفهوم الأنيموس أو صورة الذات الخفيفة التي تحوم حول الوعي دون أن تندمج فيه.

ثانيًا: قصة “الفراشة” أو المشاهد التي تتمحور حولها

إذا ظهرت القصة أو المشهد بوصفه يتمحور حول الفراشة، فغالبًا ما يكون النص شاعريًا/تأمليًا، تتحدث فيه الشخصية عن لقاء قصير أو شعور خاطف، ثم تختفي العلاقة أو تهرب، تاركةً أثرًا يشبه غبار الأجنحة.

الشخصية ترى فراشة وتبدأ في استحضار ذكريات أو لحظة إدراك غائرة.

الفراشة تظهر عادة كـ”رسالة رمزية”، لا كمخلوق حي فحسب.

من منظور بنيوي: الفراشة لا تقود الحدث، لكنها تؤطّره تدخل المشهد ثم ترحل، وتعيد ترتيب شعور الشخصية، مما يمنح القصة نمطًا حلقيًا أو عاكسًا.

الميتاسرد هنا يتجلى في ثلاثة مستويات:

تأمل النص في ذاته

الشخصية لا تروي فقط الحدث، بل تتحدث عن الحكاية بوصفها ذاكرة عابرة، وكأنها تقول: “ربما كانت الحكاية خفيفة مثل فراشة.. لكنها تركت ظلي مختلفًا.”

هذا يمثّل الوعي بالكتابة كفعل شعوري، لا مجرد توثيق.

السارد كذات متأملة

تظهر الجمل التي تقول: “هل كنتُ أكتب لأتذكّر؟ أم لأفلت منها؟” ما يُشير إلى أن القصة نفسها تُناقش وظيفة السرد.

تُبنى بعض المشاهد بطريقة تجعل القارئ واعيًا بأنه يقرأ نصًا يعترف بكونه نصًا، وهو جوهر الميتاسرد.

الفراشة كاستعارة للحكي

يُمكن اعتبار الفراشة تمثيلًا مجازيًا للقصة القصيرة نفسها: قصيرة، خفيفة، مؤثرة، تترك أثرًا دون استقرار.

هذا يشي بأن النص لا يحكي عن الفراشة فقط، بل يحاكي شكلها البنائي وهذا نوع ميتاسردي بصري- شكلي نادر.

قصة “الفراشة” — بوصفها سردًا أو رمزًا — تحاكي طبيعة الذاكرة والكتابة ذاتها: أجنحة تتذبذب فوق الورق، لا تطير بعيدًا لكنها لا تستقر أيضًا. الفراشة ليست مجرد صورة أنثوية جميلة، بل تجسيد شعوري–رمزي للفقد والتحول والانعتاق. والنص الذي يحتويها يعترف ضمنيًا بأنه يكتب ليتحرر، لا ليسرد فقط — وهذا ما يمنحه أفقًا ميتاسرديًا مشبعًا بالتأمل الحيّ.

ص99: في قصة عين لا تنام

العنوان يوحي بحالة من التيقّظ القهري، أو بالأحرى “السهر الداخلي”، الذي لا يرتبط بالزمان بل بالحالة النفسية. فـ”عين لا تنام” ليست عينًا مراقبة، بل عينًا مثقلة بالهمّ، بالإدراك المتواصل، والخوف من الانهيار.

الشخصيات

البطلة:

امرأة متزوجة من رجل سلبي، ترزق بطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يدفعها إلى التأمل في اختياراتها، قدرها، وظروفها القسرية.

صوتها الداخلي يتسم بـ”المنولوج” العاطفي، حيث تتحدث عن تراكمات السنين، حُلمها في التغيير، ووجعها من العيش تحت ظل رجل لا يساند.

الزوج:

يتحدث من وجهة نظر ذكورية تقليدية، مبررًا انسحابه من المسؤولية بأعراف اجتماعية موروثة.

العبارة المقتبسة:

تلك الالتزامات الأسرية اعتدنا كونها نسوية الهوية… فالآباء يعملون ويكدّون، والزوجات عليهن كل ما يتعلق بالمنزل.”
تكشف عن ميكانيكية التبرير الذكوري الذي يُقنّن غياب المشاركة ويحوّله إلى عرف محترم.

التحليل النفسي

البطلة تعاني من احتراق وجداني، حيث تراكمت الأدوار عليها: زوجة، أم، مربية، مع غياب الدعم العاطفي.

صوتها يحاكي المرآة النفسية التي تفضح هشاشة الحياة الزوجية القائمة على التوقعات الأحادية.

الزوج يُعبّر عن انفصال شعوري واجتماعي عن الأسرة، ويتعامل مع الأبوة بوصفها “تمويلًا” لا “مشاركة“.

يظهر النص بوصفه مساحة مقاومة هادئة، لا صدامًا علنيًا؛ حيث تعيد المرأة بناء إدراكها بصمت، بينما تبقى عينها مفتوحة على ما تُخفيه الأعراف.

الميتاسرد في القصة

النص يعترف ضمنيًا بأنه يفضح أعرافًا ولم يكتب فقط ليحكي.

السرد يتحدث عن الكتابة بوصفها خلاصًا، وعن الحكي كطريقة لمساءلة الذات والعالم.

الجملة المسندة للزوج تُظهر أن النص لا يكتفي بإدانة الشخصية، بل يكشف المنظومة الفكرية التي تُنتج هذا التواطؤ الذكوري.

نهاية القصة ليست حاسمة، لكنها تنتهي بـ عين لا تنام”، أي بذاتٍ ترفض الاستكانة، ولو لم تتحرك.

هذا التوتر الهادئ يفتح تأويلات متعددة: هل تستعد البطلة للانفصال؟ أم تُعيد صياغة ذاتها تحت السطح؟ أم أن التغيير يحدث بمجرد الإدراك؟

قصة عين لا تنام تسكن في منطقة ما بين القهر والإفاقة، وهي قصة الوعي المراقِب في حياة المرأة، حيث لا يكون الظلم دائمًا صارخًا، بل يتسرّب عبر التفاصيل اليومية، والعبارات الموروثة، والعيون التي لا تنام خوفًا من التلاشي.

الفصل الثالث: فنجان قهوة ص : 116″مجموعة متصلة منفصلة من القصص تصل بعضها بعضا لترسم حالات متناغمة من الحب جمعهم فنجان قهوة..

في قصة فنجان قهوة التي تحمل المجموعة عنوانها ص:123

القصة تتمحور حول علاقة بين كاتب ومحبوبة الكترونية تعلق بجرأة وثورة على البوست ويتحول الأخذ والرد بينهما لمباراة للعتاب على العام و عبر هذا الطقس اليومي يحاول البطل استعادة اتزان نفسي أو استحضار لحظة صفاء عابرة.

ومن منظور كارل يونغ: القهوة هنا ليست مشروبًا، بل فعل اندماج مع “الظل”، أي ذلك الجزء غير المعترف به داخل الذات.

ومجمل القول إنَّ:

مجموعة فنجان قهوة تتقاطع الحكايات مع الذات، وتتشابك التفاصيل اليومية مع الأسئلة الكبرى حول الهوية، العلاقة، الألم، والنجاة. ليست القصص مجرد سرد لحالات عابرة، بل هي بوح مكثّف لمواقف شعورية متجذّرة في الذاكرة الأنثوية–الوجودية.

من خلال تنوّع الحقول السردية بين القهر الأسري (لا أحب الفاصوليا)، والمقاومة الرمزية (الملثم)، والهشاشة الشعورية (الفراشة الذهبية)، والتوتر الزوجي– الاجتماعي (عين لا تنام)، تُقدّم الكاتبة مشروعًا سرديًّا يعتمد على بلاغة التفاصيل، وتكثيف المشاعر، وإعادة تأويل المشهد اليومي بوصفه فضاءً للمعنى.

تمثل العتبات النصية (الغلاف، الإهداء، المقدمة) صوتًا موازٍ للسرد، تكشف عن رؤية الكاتبة تجاه الكتابة بوصفها فعلًا تأمليًّا ووجدانيًا لا مجرد تقنية. أما التقنيات السردية المستخدمة — من المونولوج الداخلي، والاسترجاع، والرمزية اللغوية — فتؤكّد على نضج صوت الكاتبة، وقدرتها على منح القصير عمقًا، واليومي كثافة شعورية.

ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه المجموعة أن القهوة ليست مشروبًا، بل حالة سردية، مفتاح عبور إلى الذات، إلى الآخر، وإلى ما لا يُقال. فكل فنجان في المجموعة هو قصّة، وكل قصّة هي محاولة لاحتساء الشعور دون أن يندلق. الميتاسرد: وعي الحكي بالحكاية

واحدة من أهم فضائل هذه المجموعة أنها لا تكتفي بسرد “ما حدث”، بل تعي أن الحكي ذاته فعلٌ موازٍ للحياة.
فالروايات في القصص يُدركن أنهنّ يكتبن، أو يستعدن المشهد بوعي داخلي متأمل، مما يُدخل القارئ في دوامة ما وراء السرد:
هل ما نقرؤه هو الذاكرة؟ أم الخيال؟ أم إعادة تشكيل للألم بصيغة قابلة للنجاة؟

القصص تُخاطب القارئ ضمنيًا، وتدعوه لا ليكتفي بالتلقي، بل ليكون شريكًا في تفكيك ما وراء النص، فيفهم لماذا تُروى الحكاية… قبل أن يبحث عما حدث فيها.

ومن ثم ، فإن فنجان قهوة ليست مجرد مجموعة قصصية، بل خريطة وجدانية متدرجة نحو اكتشاف الذات، عبر صور عابرة، ولقاءات رمزية، وتحوّلات نفسية تسكن الحكي أكثر مما تُقال فيه.

مروة تليمة

رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي