مقالات متنوعة
أخر الأخبار

المعلم الخفي

المعلم الخفي

 

كتبت: نهال عزمي

 

الألم في حياة الإنسان ليس مجرد إحساس عابر أو تجربة وقتية، بل هو أحد أعمق الدروس التي تصقل الروح وتبني الوعي وتنضج التجربة الإنسانية.

 

فالألم –سواء أكان جسدياً أم نفسياً– جزء لا يتجزأ من الرحلة البشرية، لا ينجو منه أحد، لأنه ببساطة ملازم للحياة، يطرق أبوابنا في صور متعددة؛ وجع مرض، فقد عزيز، خذلان من قريب، أو حتى لحظات الانكسار الداخلي.

 

وإذا كان الألم الجسدي معروفاً ومحسوساً، فإن الألم النفسي أشد وقعاً وأعمق أثراً، لأنه يسكن القلب ويثقل الروح بصمت، لا يُرى لكنه ينهش الداخل ببطء.

 

وأقسى أنواعه ألم الخذلان حين يخذلك من وثقت بهم، أو ألم الفقد حين تُنتزع قطعة من روحك مع رحيل من تحب، وهنا يصدق القول المأثور إن “الفقد يُميت جزءاً من الإنسان في كل مرة، حتى إذا جاء الموت كان المرء قد تهيأ له واستعد”.

 

الألم يكشف حقيقة الإنسان؛ يعرّي داخله ويختبر معدنه. ففي لحظات الوجع يتضح معدن الصبر، ويُعرف الفرق بين من يلين وينهار ومن يقاوم ويصمد. إنه معلم قاسٍ لكنه عادل، إذ لا يتركك كما أنت، بل يجعلك أكثر نضجاً ووعياً، ويزرع داخلك فهماً أعمق لمعنى الحياة وما تحمله من معانٍ خفية.

 

وقد قرأت مقالة للكاتب الراحل عبد الوهاب مطاوع في كتابه ساعات من عمري، تحدث فيها عن إحساسه بالألم الجسدي والنفسي مع مرضه، وكيف شكّل هذا الألم وعياً جديداً لديه، وفهماً مختلفاً لمدى المعاناة الإنسانية. لقد جعله الألم أكثر إدراكاً لعمق التجربة البشرية، وأكثر رحمة بالآخرين، وكأنه نافذة يرى من خلالها قلوب الناس وآلامهم.

 

والحقيقة أن كل إنسان وحده فقط قادر على أن يقدّر مقدار ما يشعر به من ألم، فلا أحد يستطيع أن يقيس وجعك أو يزن معاناتك، لكنها مسؤولية المرء أن يحاول رغم ذلك أن يستمر، أن ينهض بعد كل سقوط، وأن يحوّل ألمه إلى طاقة للحياة لا سبباً للتوقف.

 

فالألم، مهما كان شكله، ليس النهاية، بل هو بداية لوعي جديد، ودرس صامت يعلّمنا أن ننهض من جديد أكثر قوة، وأكثر إنسانية.

د. نهال عزمي

نهال عزمي كاتبة صحفية بجريدة العدد الأول، تجمع بين الخبرة التربوية العميقة والقدرة البحثية المتقدمة، تحمل درجة الماجستير، وتعد حالياً أطروحة الدكتوراه، في مناهج وطرق التدريس قسم اللغة العربية، تمتلك خبرة تفوق 20 عامًا، في التعليم والتطوير المهني، لها مشاركات بحثية في الذكاء الاصطناعي والتعددية الثقافية، تسهم بخطاب صحفي متخصص، يعزز قضايا اللغة والتعليم في البيئات متعددة اللغات.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي