بعض الضجيج لا يأتي من العالم…
بل منا.
نملأ به الفراغات، ونحتمي داخله.
لم يعان يومًا في قلة الصمت…
بل من فائض الكلام.
كم كلمة قالها دون أن يقصد،
وكم مجاملة نجا بها من مواجهة نفسه.
وكم شكوى أخفت خوفًا لم يعترف به.
في اليوم الأول من رمضان، فكر في تلك الجمل التي عاش خلفها سنوات.
قرر — بهدوء — أن يجوع منها، وأن يلتزم نذر الصمت: انقطاع تام عن كل ماهو زائد عن الحد الأدني.
بعد ساعات قليلة فصلت بين قراره المقرون بنية الصيام جاء موعد اختباره الأول.
في العمل مضت الساعات الأولى يصحبها الكثير من الانهاك والصداع الناتج من انسحاب الكافيين.
سأله أحد الأصدقاء:
– “يوم طويل، أليس كذلك؟”
كاد أن يقول: “تعبت”
الكلمة كانت جاهزة على طرف لسانه.
لكنه تذكّر كم مرة قالها دون أن يريد حلًا…
فابتلعها دون أن يصرح بها.
ومع الأذان كان كوب الماء أمامه… صافٍ يعكس وجهه.
مدّ يده أكثر من مرة، ليس لأنه عطِش،
بل لأنه لم يعرف ماذا يفعل بالصمت.
فاكتفى بالإنصات إلى المائدة.
في بادئ الأمر انصرف انتباهه إلى كيف يمكن لهذا الجمع أن يجهز على مائدة كتلك،
كم الأطباق المتناثرة والمكدسة فوق المائدة، زاخرة بأنواع وأصناف كثيرة جدًا… حتى بدا أن كل طبق ينافس الآخر على الاهتمام.
شعرت معدته بثقلٍ مبالغ فيه، حاول تشتيت انتباهه بالصخب الدائر حول المائدة.
بدت الأحاديث لطيفة فراح يتابعها .. شيئًا فشيئًا رأى ما لم يكن يراه من قبل.
كلمات أقل .. رؤية أفضل، راحة أكبر لنفسه، كما لو أن تخفيف الزيف أزال ثقل التخمة عن روحه.
في اليوم العاشر، أصبح الصمت أكثر حضورًا.
كلما مر الوقت، شعر أن شيئًا غير مرئي يسقط عنه…
يقضي ساعات النهار منشغلًا ينظر إلى الساعة بين كل دقيقة والأخرى
منتظرًا بلهفة الإمساك بكوب الماء…
وعند الأذان يشربه، لا لإرواء عطشه الجسدي، بل ليشرب الصمت الذي بدأ يكشف له نفسه.
في العمل، لاحظ أن انشغاله بالكلمات أقل، ورؤيته للأمور أوضح.
بدأ يميز الكلمات التي لا معنى لها، وأمسى الصمت أعمق وأصدق.
كل سطر لم يقله أصبح أكثر حضورًا، ومع كل كلمة ابتلعها أصفى ذهنه.
رغم أنه مع مرور الأيام أصبح الصمت أصعب… لكن ما تحقق حتى اليوم العشرين كان يستحق الاستمرار.
في المساء يواصل صومه عن الكلمات ويشرب الكثير من الماء ولا يكتفي.
وكأن ما يرويه هو ما كان يطفئ ظمأه حقًا.
هذا الظمأ لم يكن للجسد، بل كان لذاته، التي بدأت ترى نفسها بوضوح.
في اليوم السادس والعشرين … كاد أن يتكلم.
ليس لأنه نسي،
بل لأنه خاف مما سمعه في الداخل.
كلما قلت كلماته، صار الصمت أوسع مما توقع.
ولم يكن كل ما ظهر فيه مطمئنًا.
في الصمت ظهرت أشياؤه القديمة،
التي تركها طويلًا تحت ركام الكلمات:
أوجهٌ تجنب النظر إليها،
وضعفٌ غطّاه بالمزاح،
وأسئلة أجّلها حتى نسي أنها تنتظر جوابًا.
أدرك أن الضجيج لم يكن يبعده عن الآخرين… بل عن نفسه.
ولم يكن مستعدًا تمامًا لكل ما رآه…
لكنه، للمرة الأولى، لم يحاول الهروب.
لم يشعر بالجوع تجاه الكلمات.. فالمشكلة لم تكن يومًا في الجوع…
بل في كل تلك الكلمات التي كان يأكل بها نفسه.
ومع أذان اليوم التاسع والعشرون
رفع كوب الماء ببطء… وتأمل وجهه المنعكس عليه.
أدرك أنه أمضى سنوات يشرب ليطفئ عطشه، بينما كان ظمؤه الحقيقي… أن يرى نفسه بوضوح.
لم يعد الصمت عبئًا، بل مسارًا اختياريًا لنفسٍ صادقة
تختار كلماتها، وتختار صمتها، وتختار أن تكون حاضرة بوعي في كل لحظة.
رئيس قسم الفن بجريدة العدد الأول، تُشرف على تغطية مجالات الأدب والفن. تتميز بقدرتها على المتابعة الدقيقة للمشهد الثقافي والفني والأدبي، وصياغة محتوى يعكس نبض الحياة الثقافية والفنية والأدبية. وتقديم تغطيات وتحليلات متعمقة تعزز الوعي الفني والأدبي لدى الجمهور. تتمتع بخبرة تحريرية واسعة ورؤية إعلامية تواكب تطورات الساحة الفنية والثقافية والأدبية.