حوارات
جريدة العدد الأول تحاور الكاتبة الجزائرية داحي سمراء

جريدة العدد الأول تحاور الكاتبة الجزائرية داحي سمراء
حاورتها: عائشة عمي
من منا لا يحب الوطن؟ ومن منا لا يتألم إن رأى أوطان تتهاوى ويسقط بنيانها على رؤوس ساكنيها؟ ومن منا يحب أن يرى مشاهد الدم التي تبثها قنوات الفضائية حول ما يحدث في بلاد العرب أوطاني من فلسطين أم الشهداء، إلى العراق، وإلى اليمن، وإلى سوريا؟
مؤكد أن لا أحد يرغب بذلك، يقال أن الكاتب والشاعر لديه أحاسيس فياضة، تجعل منه راقص على الورق، يرقص أحيانا بفرح، وأحيانا بحزن، فما بالك إن كان الكاتب امرأة؟
جميلة هي الزهور الفواحة، عبيرها وشذاها يصل إلى الأعماق، ويبقى أثرها زكيا جميلا، وأجمل الزهور هي تلك التي تبرز أشواكها، وتصبح أسدا شرسا عندما يتعلق الأمر بالأبرياء.
اليوم اقتطفتنا زهرة، ولكننا لم نستطع قطفها، هي زهرة عاشقة لفلسطين “سمراء داحي” كاتبة جزائرية صاحبة رواية “لكي لا ننسى” منبر جريدة العدد الأول استضاف الكاتبة في هذا الحوار الماتع:
-لو تقربنا داحي سمراء رحيل إلى عالمها؟
-سلام مقدسي وبعد، توضّأ وادخل بقدمك اليمنى حيث أنا -حرف فلسطيني هارب من الصمت العربي إلى الصوت الفلسطيني- حتى تحوّلت الصفحات إلى مدن محتلّة، والحروف إلى مغترب يرى من واجبه اجتياز الحدود إلى غزّة وإن حاصروه بالدّساتير، وإن لفّوا حول عنقه تهم الإرهاب.
داحي سمراء رحيل كاتبة قلمها جرح فلسطيني، حرّمت حروف الغزل ورسائل الحبّ حتّى تعود فلسطين إلينا وحتّى تعود هي إليها، بدأت مسيرتها منذ الصغر، منذ أن كنّا نختصر النكبة في مسلسل “التغريبة”، ثمّ عشنا الألم -واقعا لا تمثيلا- في محرقة الشجاعية وسط صمت عربي، بكى أبي، ومن دموعه حملت همّ قضيتي وكتبت.
ولدت في عائلة ميسورة الحال، ذلك دون أن يكون لي منتج ورقي، فاخترت المسرح لأعبّر عن ألم فلسطين، فزت بجائزة “أحسن نص مسرحي عن القضية”.
تلا ذلك افتكاكي لدرع الأقصى للمبدعين الشباب لولاية سطيف،
تخرجت مؤخّرا من كلية الإعلام والاتصال لأشقّ طريقي، وألد أول عمل لي بعد أن حملته في أحشائي صبرا على صبر وها قد آن موسم قطافه.
-داحي سمراء تتميز كتاباتك بنزعة القومية والوطنية، حدثيني عن نكهة هذا الشعور الذي ينتابك ويجعل صوتك صادح يهتز له من يشعر بقيمة الوطن ويقدره، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
-كلّ ما في الأمر أنّ هذا الأمان لا يليق بي إطلاقا، يؤلمني ألا أرى نفسي أركض في نشرة الثامنة هربا من القنابل المسيلة للدموع، وألا أسقط في ساحات الإعدام الجماعي ظُلما بينما أُشاهد هذه المناظر كل ليلة، كل لحظة، كل ثانية، لأشعر بأنّني خيانة تمشي على قدمين.
وعن نكهة هذا الشعور فهو الألم الطّاغي والعجز الكامن في بنت لا تستطيع إغاثة أمّها خلف شاشة التلفاز وهي تنادي “وينكم ياعرب” ، أو ” حسبي الله ونعم الوكيل في العرب قبل اليهود”.
-هو المنفي بعيدا عن جذوري التي تمتد هناك، وإن رآه من حولي فخرا. فتاة بعمر الزهور والورود التي تتفتح على مهل، عندما ترين من هم مثلك زهور يافعة في البلد الشقيق والحبيب فلسطين خاصة، وبلدان العرب أوطاني عامة، يذهب شبابهم في مهب الريح، ولم يستمتعوا بحقهم الطبيعي في عيش طفولتهم وشبابهم كيف يكون إحساسك ؟
-كإحساس صدّام حسين وهو يهوي معلّقا بين الجنّة والخذلان بحبل خيانة يلتف حول عنقه، وإنّه لمن الموجع حقا أن نُدرك واجبنا تجاههم ولا نفعله، ومن المؤسف حقا أن دموعهم ودماءهم لا تجف، وبدل أن نكون صوتهم المكسور نطغى على صمتهم بحفلات الرقص ومسلسلات لا تسمن ولا تغني من جوع..
القاتل حقا أن نتتبّع قاتلي أحلامهم ومفجّري مدارسهم بتقليد أعمى بدل أن نلبس عباءة العروبة ونخوض حربنا..
أي شعور سيصف ألم ابنة شهيد ترى تراب قبر والدها يتحرّك جرّاء وقع أقدام حفلة أعمامها العرب الذين نادتهم “يا عرب أبي يموت ” بدل أن يتحرّك من سطوة دبّابة عربية أغاثت صوتها..
-روايتك “كي لا ننسى” حدثيني عنها؟
– “كي لا ننسى” أبعد من الاحتلال، رواية تاريخية أدبية كُتبت بدم شهداء دُفنوا ناقصين في قبورهم، بدأت منذ إعلان تحويل القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وصولا إلى أحداث حي الشيخ جرّاح وقصف غزّة الذي تلا الهدنة.
أحداثها المختلة تكون على لسان البطلة “فلسطين“، ووالدها “ثائر” الذي فقد الذاكرة تجنّبا للغوص في الخيانات العربية، بالإضافة إلى شخصيتي أخويها “عمر” المقاوم و ” عربي “الخائن”..
تتناول صفحاتها أحداثا حقيقية، بداية من الأيدي العربية التي مرّت من خلالها صفقة القرن دولا ورؤساء بأسلوب تصريحي واضح جعل بعض الدور العربية ترفض نشرها، فيها من التأريخ للأحداث التي حصلت ما يوثّق الخيانة والجرائم بهدف توثيق ما لا يريدونه أن يوثّق، بدليل البروباغاندا الإعلامية العربية التي زوّرت، ونمّقت، ولمّعت الخيانات كمشروع سلام.
وأدع مساحة للقارئ ليكتشف ما بين دفتيها ليعرف بقية التفاصيل.
أما قصّتي أنا مع الرواية، فقد جاءت في فترة كنت قد جهّزت فيها عملا أدبيا آخر جمعت فيه بعض خواطري وأعمالي، لكن سرعان ما شعرت أنّي أخون قدسية القضية فتخلّيت عنه وتوجهت ل” كي لا ننسى “.
-أرى طموحك، وأرى إصرارك على أهداف،ك وأرى مجهوداتك الإيجابية التي تبذلينها من أجل المساهمة في نشرها حولك وفي مجتمعك، في اعتقادك، الشباب العربي إلى ماذا يحتاج كدعائم ليبرز؟
-أنا أرى أن الدّاعم الوحيد الذي يحتاجه أي مبدع هو ثقته بنفسه، بقدسية ما يسعى إليه وبأهدافه، وسيصل وإن تأخّرت شمس إسمه عن البزوغ لكنّها ستبزغ..
لماذا؟ ببساطة لأنّ لا صاحب البدلة خلف مكتبه الفخم من سيحدّد طريقي، ولا الحذاء البرّاق الذي يلبسه صاحب المنصب من سيقرّر نجاحي من عدمه، لأنّني لا أتساوى مع حذاء وبدلة..
وأقولها من منبري هذا “أنا لا أرسم لكم حياة وردية، ولا أحدّثكم بفلسفة لا واقعية”، بل ببساطة “أنا ابنة البوّاب التي لم يمتلك والدها ثمن حذاءها في المدرسة فوُبّخت، و أنا التي تأخرت عن صفّها لأن ارتجافها شتاء كان أقوى من خطواتها فطُردت، وأنا انا التي لم تمتلك ثمن وجبة فجاعت طوال اليوم، تمتلك اليوم ثمن حذاءها وكتابها وها هي ذي تحلّق.”
-ما هي مشاريعك المستقبلية؟
مؤخّرا أطلقت مبادرة “احكي يا جدّة”، وهي ورشة حكواتي متنقّلة تعرّف الأطفال بفلسطين ومأساتها بأسلوب تمثيلي على شاكلة “مونولوق”، وأعمل على تحويلها إلى مشروع، وقد تلقيت دعوة من ولايات أخرى لتنشيط المخيّمات الصيفية بنفس الفكرة.
ومع جمعية الإصلاح والإرشاد سنكوّن فرقة مسرحية للأطفال من أجل تطوير مسرح الطفل في ذات الفكرة طبعا، لي إصدارين جديدين أعمل عليهما أتمنى أن يروا النور قريبا، عدا ذلك لا شيء واضح سوى أن كل فكرة تأتيني خدمة لقضيتي أطبّقها وأوسّع نطاقها.
-كلمة أخيرة نختم بها حوارنا
-للّذين يشكّكون في صدق القضية: “انظر إلى أصغر يتيم فلسطيني ستفهم مدى عدلها ”
إلى مثقّفينا العرب: “لسنا مخيّرين بين خدمة صوت القدس وعدمه، بل هو الواجب الذي يفرضه علينا إنتماؤنا العربي والإسلامي، وإن تخلّينا عن ذلك فقد اسقطنا واجبا من واجباتنا وأسقطنا معه أمّة بأكملها، فنحن الجيل الذي تعلّم الوفاء للقضية من مفكّرين وكتّاب ومخرجين أقسموا أن لا ينسوا ”
إلى المطبّعين على اختلافهم: “القضية الفلسطينية تستمدّ شرعيّتها من أبنائها المقاومين لا منكم، بينما تستمدّون من موقفكم ذلّا وهوانا ينقص منكم ويزيدنا شرف التّمسك بمقدسنا وأرضنا ”
إلى أطفالنا العرب: ” ننتظر منكم أن تكبروا بحلم التحرير فلا تخذلوه كما فعلوا آباءكم وكما فعلنا ”
إلى كل من مرّ من هنا: “كما كان لنا لقاء بين هذه السطور، أتمنّى أن يكون لنا لقاء يتجدّد في ساحات القدس.”
تحاور تحاور تحاور تحاور تحاور تحاور تحاور تحاور
تحاور













