أدبي

لستُ أعرجًا

وقت النشر : 2021/12/07 09:13:56 PM

لستُ أعرجًا
قصة قصيرة
بقلم: عائشة العزيزي

فى أحد أروقة الجامعة ﻻحظ الأستاذ “منصور” رئيس قسم المحاسبة بكلية التجارة أن أحد الطلاب المتفوقين دائمًا حاد الطباع، لا يسمح لأحد بالاقتراب منه، عيناه كثيرًا ما تراهما مزدحمتين بالدموع، ورغم تفوقه تری فيه انطوائية شديدة. فكر الأستاذ في حاله، وكثيرًا ما سأل نفسه في تعجب: هل يتعرض للمضايقة من أحد زملائه، أم أنه أصيب بالغرور؟ فهو حقًا متميز ومختلف في كل شيء حتى في عرجه.
ذات مرة اقترب منه الأستاذ ليتحدث إليه كي يعرف ما السر وراء هذه الحال، ولكن سرعان ما أغلق”مازن” الحديث قائلًا:
– شكرًا، أنا لست في حاجة إلى كلام أو نصائح سيدي.
ابتسم الأستاذ له بعد أن ربت على كتفه، ثم تركه وانصرف مما زاد من لهيب الشاب الذي ظن أن أستاذه يسخر منه، فتوجه إليه غاضبًا ليفهم سر هذه الابتسامة فقد كانت تحمل الكثير من المعاني التي تحتاج إلی تفسير بالنسبة له.
وبعد أن طرق باب المكتب وأُذن له بالدخول، لمحه الأستاذ بطرف عينه وهو مستدير بظهره ممسكًا بكتاب يقلب صفحاته، ثم بادر قائلًا:
– خير، ما الذي أتی بك؟ هل جئت لتعتذر، أم أن السماء انفطرت وأتيت لتخبرني؟
وقتها لم تنفطر السماء، ولكن عيون هذا الشاب هي التي انفطرت بالدموع منهمرة منها، ربما لم يكن يتوقع “مازن” نبرة أستاذه وما تحمله من عتاب قاسٍ لايكون إلا بين المحبين وكل من يهمهم أمرنا، أجابه الشاب بمرارة تملأ عليه جوارحه قائلًا: إن سمائي منفطرة من يوم مولدي يا أستاذي، لقد كبرت بين أقراني وأنا الأعرج الذي تُعذب أُمه بالضرب والسب في كل مرة تدافع عنه فيها، تُطعن في كرامتها من وراء عرجي.
نظر إليه الأستاذ في دهشة يملؤها الاستياء قائلًا: ماذا تقول يا بني، وما علاقة أمك بعرجك، ومن الذي يهين كرامتها، وما المشكلة في عرجك؟
مسح “مازن” دموعه بعد أن ابتلع ريقه، قائلًا: ولدت بإعاقة في قدمي اليمنی ﻷتربى بعدها على يد جلاد لم يشعرني يومًا أنني ابنه من فرط قسوته عليّ كأنه يعاقبني علی عرجي هذا، حتی أمي لم تسلم من أذاه ولسانه، كان يلقبها بالعرجاء رغم أنها جميلة وصحيحة، ولكنها دائمًا كانت بالنسبة له عرجاء أم الأعرج.
وبعد تنهيدة طويلة من الأستاذ “منصور” ناوله كوب ماء وطلب منه أن يكمل حكايته، فواصل الشاب حديثه في حزن بالغ:
ـ لقد جعلني خادمًا له ولأصحابه، كل يوم كان يذبحني بسكين عرجي، كان يُفضل أختي الصغری عليّ، علَّمها أن تسخر مني حتی كرهتها، أتَعْلم أن كل مرة أنجح فيها أرى في عين أمي النصر والفرح والتشجيع الذى يحفزنى علی المواصلة؟!
عيناها كانتا تُقران أنني لست أعرجًا، والجلاد كان يرفض ذلك معلنًا بقسوة أنني لست ابنه.

وقتها قاطعه أستاذه والدموع محبوسة في عينيه قائلًا:
– اعلم يا بُني أن أباك هو الأعرج الحقيقي، ولكنه أعرج القلب، تأكد يا “مازن” أن عرجك أنت هو سر إصرارك وشهادة نجاحك، وحب أمك يا ولدي هو طوق نجاتك.
أكمل الأستاذ كلامه بحماس بعد أن قام من مكانه محتضنًا وجه “مازن” بحنو بين كفيه، ثم أخبره بنبرة يعلوها الفخر به كأنه يبث فيه القوة ويعيد إليه الثقة من جديد.
ـ هيا أيها البطل، فأنت قادر حتی وإن كنت مختلفًا في نظر والدك أو غيره، هيا امشِ بين الناس بأخلاقك الطيبة، وعش بقلبٍ سليم لا بعرج أبيك، ولا ترفض من يقدرك، وﻻتضعف أمام من يحقرك، كن واثقًا في نفسك وشق بسكين عرجك لنفسك حياة، وابنِ لك بيتًا من مجد فوق السحاب، واعلم أن أنوار علمك ستنير بيتك، واغسل أوجاعك واغزلها نصرا، وتجنب من يؤذيك، ولكن ارعَ الله فيه؛ رُب جلادٍ ينخر الكِبَر عمره يومًا فلا يجد عصا ليتوكأ عليها إلا عرجك.

لستُ أعرجًا.

ذات صلة
زر الذهاب إلى الأعلى