أدبي

وجهٌ آخر للحب

وقت النشر : 2021/12/30 03:22:13 PM

وجهٌ آخر للحب

بقلم: هويدا سالم

 

تلفَّعت طرحتها السوداء وأخفت نصف وجهها الشاحب ثم استرقت السمع جيدًا قبل أن تهرول في الشارع الخالي الذي لا يكاد يبِين من بقايا ظلمة الليل. عوى كلب فاعتراها الوجل من أن يتيقظ أحد ويرى اللفافة البيضاء التي تواريها تحت طرحتها بحذر، أخذت تسارع الخطى وإن كانت لم تحدد وجهتها بعد.

ذات صلة

تلاحقت أنفاسها وهي تتخيل آلاف العيون تخرق لفافتها وتنثر ما فيها لم تعد تشعر بساقيها، يكاد الألم يشطرها نصفين، تشعر بدماء حارة تسيل منها، تعتريها رجفة وكأن صقيع العالم ينهمر على ظهرها، استمرت في السير تدفعها الهواجس ويحثها الخوف على الاستمرار فبدأت تلهث، رئتاها تحترقان، قلبها يكاد يخرج من مكمنه. شدت يديها أكثر على لفافتها الغالية، قاومت السقوط مرات ومرات، انكفأت أكثر على لفافتها حتى وصلت لمكان فسيح بجوار ترعة خارج القرية، تلفتت حولها، لا أحد هناك سوى قمر خافت يراقبها.

أخرجت اللفافة، فتحتها بوجل، تأملته: يا رباه! نفس العينين اللاتي سلبت لبها ذات يوم عندما التقته بصحبة أخيها، يومها أطرقت خجلًا لجرأتهما وبريقهما الخاطف الذي تسلل لقلبها ومكث سحره به للأبد، عرفت من أخيها أنه صديقه أثناء أداء الخدمة العسكرية وكم كان شجاعًا وخلوقًا يحب وطنه الذي لفظه بعدها ليجوب أرض الله باحثًا عن لقمة عيش.

تكررت لقاءاته بها؛ مرة صدفة في السوق، ومرة يطرق بابهم ليسأل عن أخيها، ومرات يفتعل صدفة وينتظرها في الشارع ليلقي لها بنظرة سريعة يخفق لها قلبها ويمضي.

عادت يومًا إلى البيت لتجد أخيها يشتعل غضبًا: أين كنتِ؟ تقابلينه؟ ماذا بينكما جعله يأتي لخطبتك؟ حتى إن كان صديقي فلن أقبل بذلك النسب والارتباط بعائلته الوضيعة.

شعرت يومها بوهن وخوف، حتى قابلته ذات يوم في إحدى صُدفِه المفتعلة، وجدته ذابلا يركل الأرض بقدميه وينظر للسماء وكأنها ضاقت بهما، قالها لها: أحبك! ولن أعيش دونك. ردت عليه عيناها، وقلبها، ويداها، وكلها معاهدة إياه على ألا تكون لغيره، تكررت لقاءاتهما المختلسة، كانت لا تكف عن اختلاق الأعذار للخروج لملاقاته، وعندما آن وقت سفره لم يجدا حلا سوى الزواج سرًا لحين عودته من الخارج – قويًا ثريًا ينتزعها من يد الجميع – تذرعت يومها بمرض صديقتها الأثيرة وإنها تحتاجها للمبيت عندها، وبعد أن اتفقت معها هرعت وقلبها إليه.

لم يكونا يعلمان أن ليلتهما الأولى والوحيدة ستؤتي ثمارًا في غير أوانها!

حاولت الخلاص خوفًا من الفضيحة، ولكن بلا جدوى، تحملت الشهور الأولى بمتاعبها دون أن تخبر أحدًا سواه:

– أخطأنا يا حبيبي!

= حبنا لا يعرف الخطيئة، أنا زوجك.

– وحدي في خطر!

= سأعود وأحميكِ.

أخفت أمرها بالفضفاض من الثياب حتى بدأ الأمر يظهر. عرفت أمها، كاد الهم يقتلها، قالت لها أنا متزوجة وألقت إليها بعقد الزواج، ازدادت همًا، قالت لولا أن أخاكِ سافر لقتلك الآن.

دارت بهما الدنيا ليلتها وبعد عناء قالت: لها لن تغادري البيت أبدا حتى تتخلصي من بلواكِ.

وفي الليلة الفائتة شعرت بآلام شديدة وإذا بقطعة اللحم تلك تنزلق منها، قالت لها أمها كما أتيتِ به خلسة، تتخلصي منه خلسة… عند الفجر لا أريد أن أراه بالبيت.

نظرت له وقد غمرتها الدموع، مسدت التراب بيدين مرتجفتين قبل أن ترقده عليه،حاولت العودة، تسمرت قدماها ووقفت مشدوهة إزاء قطعة اللحم الملفوفة بخرقة بيضاء والتي بدأ يخرج منها صراخ متواصل، بينما بدأ المارة يتجمعون حولها ويسألونها: ما بال هذا الوليد المسكين؟!

فأخبرتهم أنها كانت في طريقها للسوق عندما سمعت صوته، إذ يبدو أن أحدا ألقاه باكرًا وهرب.

أخذ الناس يضربون كفًا بكف ويتعجبون، كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ هل جنت النساء حتى تأتي إحداهن بفاحشة مثل تلك؟ فيقول أحدهم ربما هو مخطوف من أهله، لينبري آخر قائلًا ربما ألقته إحداهن لضيق حالها؛ فالناس في هذه الأنحاء بالكاد يجدون قوت يومهم.

انحنت امرأة وحملت الصغير وهي تفحص وتمحص ملامحه وملابسه وتقول لا شيء يدل عليه غير أنه وُلِدَ منذ ساعات قبل أن يُلقي به قساة القلوب.

وقف الجميع في حيرة ماذا يفعلون، احتلها الخوف بالكامل، يكاد صراخه يمزق روحها، صاحت بما يشبه الحشرجة: أنا سأكفله، أعيش وحدي مع أمي ولن يضيرنا تحمل أمر هذا الصغير، تعالوا معي لنذهب به للشرطة وأكفله بشكل رسمي.

سلمته لها المرأة وهي تدعو للفتاة ذات القلب الطيب، ولم يلاحظ أحد خطي الحليب الدافئ اللذين بدءا في السيل على ثوبها الأسود.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى