هارون.. هارون، ثم خلعت عنها طرحتها تحت أنظار صديقي الشاردة، وحينما حاول الشيخ صدها وردها عن فعلتها، قاطعته بذات اللهجة المخيفة:
– سؤذيكإن حاولت
لم يهتم الشيخ بتهديدها له، وعاد ليرفع صوته آمرًا أن اخسئي واخشعي، لم تعره أدنى
اهتمام، وبدأت تتلوى وهي تمسح بكفيها عنقها، وتجوس بيدها شعرها المنساب، ولا
زالت تناديني وهي تمد ذراعها نحوي، كان هذا أكبر من قدرة صديقي على التحمل، فاق من
شروده وأمسك طرحتها ثم حاول وضعها على شعرها، فنظرت إليه بعينين داميتين وخرج صوتها غليظًا:
– ابتعد
وأعقبت كلمتها بدفعه في صدره بيدها وتحت عيني الذاهلتين، انزاح صديقي بعنفٍ وارتطم بجانب الفراش، وانقلب على ظهره، تمامًا كأنما
ألقت طفلة عفيَّة بدميتها عرض الحائط حتى أنه أخذ يتوجع ويتألم، فتدخل الشيخ مجددًا بعدما اختطف الزجاجة من يد مساعده
وسكب منها على كفه، وشرع ينثرها على وجهها وجسدها من تلك المسافة القريبة، وهو يكرر ” لم ينالوا خيرًا”، ” لم ينالوا خيرًا “، ظل
يفعل هذا وهي صامتة، تلهج في قوة ولا زالت تنظر نحوي تلك النظرة المخيفة، فما كان مني سوى أنني تحركت من جلستي محاولًا
مساعدة صديقي، تلك المسافة التي لم تتجاوز نصف المتر، شعرت أنها ميل أقطعه، وحين انحنيت ومددت إليه يدي، سمعتها تقول بلهجة آمرة:
– اتركه
لم أستمع إليها وهممت بمساعدته، فشعرت بقوة تطبق على رأسي، وطنينٍ تشعب بأذني، ودوَّار أحاط بضبابية حول عقلي، فثقل
لساني، وتلعثمت، نظرت نحو الشيخ وكنت على وضع الانحناء فوجدته يتصبب عرقًا،
وعلى وجهه ملامح الإرهاق والتعب، أما مساعده فكان كمن لدغه عقرب سام، فقد
احمر وجهه، واحتقن بشدة، وجعل يتراجع في تؤدة وهو يجاهد ويكافح لالتقاط أنفاسه، ظل وجهه يحتقن أكثر فأكثر، بينما ارتفع صوت
الشيخ وهو يتلو ويكرر نفس الآية، تزامن مع ذلك انتفاض جسد صديقي وتمدده على الأرض.
لم أمر بوقت عصيبٍ على مدار حياتي كما مرت تلك اللحظات عقب انتفاض جسد صديقي! وقفتْ زوجته في قوة واستحال لون
عينها للون ضبابي مخيف، وبدأت تنتفض هي الأخرى ثم التفتت إلى الشيخ وزعقت به بقوة، تحشرج صوته، سمعته بعدما اعتدلت وهو
يحاول تلاوة آية أخرى، لكن لسانه أبى مطاوعته، فظل يسعل بقوة، ويشهق حتى سقط مغشيا عليه، نظرت حولي فوجدت
الجميع ملقى أرضًا، تمددوا وافترشوا أرض الغرفة، عندما عدت بنظري إليها وجدتها مبتسمة بعدما عادت عيناها للونها الطبيعي،
لكن ثمة نظرة أخافتني طلَّت منهما، فكرت في الهرب، لم تنصع إليَّ قدماي، حاولت الصراخ، عاندني حلقي، اقتربت مني ولم تبعد نظراتها
عني، فشعرتُ بثقل يجثم على صدري، وثمة سوار من فولاذ قيّد حركتي تمامًا، قاومت
بشدة هذا التأثير عليّ، قاومت حتى خُيل إليّ أنني أحاول دفع ثور من فوق صدري، ظلَّت محاولتي هشة مقارنة بتلك القوة الخفية حتى شعرت فجأة أنني تحررت.
قبل أن أتحرك أو يصدر مني شيء، سمعتُ صوتا بعقلي، كأنما طيفا مرَّ به يخبرني أنها
تحبني، وأن جُل راحتي معها، هززت رأسي بقوة وصرخت دون وعي مني: لا، لا..لا.
وقفتْ على بعد سنتيمترات مني، ونظرت بعيني نظرة اختلج منها صدري، بل هو نداء
مشتعل انطلق كالحمم بكامل جسدي، نداء سعَّره وحرَّقه حتى كادت لوافحه تحرق كل ما
حولي، رغبة متأججة طمست هويتي، وصمَّت أذناي، وألغت عقلي فلم أعد أنصت إلا لهمسها الشجي، وندائها العذب.
هكذا بدأ الأمر، استجبتُ للنداء، ورأيتُ متعتي معها لتنطلق الشرارة الأولى بهذا اليوم، ساعة مضت وهم راقدون بلا حراك، بينما نحن قد
امتزج بيننا كل شيء، حالة انصهار فتَّتت القضبان الحديدة بعقلي وقلبي، امتزاج متكامل، ومتعة خيالية، ونشوة نشبَت حريقًا
لن يخمد، كل خلجة مني صارت ملكًا لها، تحت سيطرتها، متحكمة في زمامها، عدا شيء واحد ظل حائرًا متخبطًا، شيء يخبرني بين
الفينة والأخرى أني على ضلال، صوت سحيق يأتي بعقلي رغم ضعفي أمام عشقها المخيف، ورغباتها المتصلة، صوت يلومني يقول لي: استفق، وابتعد فأجيب: لم يكن ذلك بمحض
إرادتي بل أجبرت عليه، فيختفي الصوت، وأعود لمتعتي، فغدا الابتعاد عنها خطرًا لا آمن عاقبته، غير أنني لا أنكر، فقد أدمنت لقاءها!
قالت لي بلقائنا التالي بلهجة متهدجة:
– لماذا تعذب نفسك معك، لماذا تحبسها في قمقم الانعزال، حررها، ومتعها، ولبِّ لها رغباتها، فما أعذب الشعور بالراحة بعد تعب، لا تكن كالـ..
ظلت تقنعني وقتذاك، وكنت مهيئًا للاقتناع، فاقتنعت، أو الأحرى أنني تغافلت عن الحقيقة، وأبعدت عن رأسي صوت نفسي، فتجددت
اللقاءات، حتى أنني لم أعد أشفق على صديقي، ولم أهتم لأمره، حتى مع تبدل حاله وانفصاله عنها لم يؤثر بي، لقد دلفت خلية
النحل، واختليت بالملكة التي تأخذ ما تريد مني وتقتلني بعدها، لكنها تحييني من جديد، وتعبث معي، وتنال مرادها، وتقتلني مرة
أخرى، وثالثة، ورابعة ثم تعود لتحييني.
ألم أستعذبته، وحالة من الربط لا فرار منها، ولا انفكاك عنها كبلتني، لكن هناك ومضة أمل مشتتة لاحت من بعيد جعلتني أفكر في
التخلص من هذا النجس، وهذا الرجس، تلك الدائرة لن أستطيع الخروج منها إلا إذا…
اليوم هو لقائي الأخير، لقد تخطينا مرحلة الجسد الوسيط، وتحولت المتعة لحالة برزخية أهيم بها وقت غفوتي فبت أحلم بها، ووقت
صحوي فبت أسمع فحيحها بأذني، أنصت لتأودها، كأني أراها، وأتألم من خمش أظافرها بجسدي، وبما أنها الليلة الأخيرة كما قررتُ،
فقد أعددتُ لها مفاجأة لأسطر النهاية!
الظلام الآن دامس، والصمت مهيب بحق، وتحت وسادتي استقرت زجاجة الماء التي قد
استخلصتها من الشيخ وقتذاك، ومصحف أمي التي تركته لي قبل موتها، ومسدس به رصاصة واحدة! فإما النجاة والفلاح، وإما الخلاص من هذا المستنقع و..
أشعر باقتراب حضورها بليلتي الأخيرة، علّها تكون ليلة النجاة.