أدبي

مستنقع الشر

مستنقع الشر

قصة قصيرة

بقلم: خالد حمدي

لم أعد أطيق الضوء، بتُّ أُحب الظلام الدامس، أستمتع بفحمة الليل، وأتلذذ فيه، نشوة لا أنفك عنها، ولا تتركني وحدي، فصرنا مزيجًا واحدًا، لا يمكن فصلهما.

جرعات هي من الانتشاء أصلُ معها للذروة يوما من بعد يوم، حتى إذا انقضى يوم دونها،

أشعر بآلاف الوخزات بجسدي، يتحول رأسي لمركز طنين يعصف به، وأتحرك في عصبية كنمر جائع لن يسكت حتى يسد رمقه.

أريد التحدث، لكن، لكن ربما لن يسعني الوقت لأذكر كل شيء خاصة بعد اقتراب لقاء اليوم.

لماذا اختارتني أنا؟

سؤال حيرني بشدة، لم أجد لديها إجابة مقنعة، لكنني اكتفيت بردها حين قالت: أنتَ معجبٌ بزوجة صديقك، لا تنكر هذا، تظن أنك

تحبها منذ فترة، نعم لم تبح لها بهذا الحب المزعوم، لكنك حملت بقلبك تلك المشاعر،

فشلت في الزواج منها، وتحولت لبائس أورد نفسه مورد الخانعين، فجاء العنكبوت الذي

نسج حولها بيتًا علقت فيه، وأنا عشيقتك وإن أبيت، ومهما حاولت الهرب مني، دعني أمتعك

بطريقتي عبر جسدها، وأصل بك لقمة نشوتك، فقط انصت إليّ واستمع، الجسد لها، والإحساس معي..

 لا زالت كلماتها عالقة بأذني حين وقفت أمامها مرتعبا، فكيف بدأ الأمر؟

أنصتوا….

جلستُ في صمتٍ مطبق، زائغ العينين، أتحاشى النظر في عينيها، في الوقت الذي بدأ فيه الخوف يستبد بقلبي، كاد صوت صرير

أسناني يفضحني، ولولا ذلك الشيخ المهيب الذي كان يصدح حاملًا صوته الجهوري آياتٍ

قرآنية تخترق آذان الجالسين لسمعوا اصطكاكها لا ريب.

كانت أول سابقة لي في حضور جلسة من جلسات خروج الجن من جسد أحدهم، لم

أؤمن يوما بهذه الخرافات، وإنما كنت على إيمان أنَّ تلبُّس الجن بالأنس ما هو إلا مسٌّ

بالعقل والنفس، مس يتلاعب بهما وحسب، يحتاج الشخص لمواجهته إلى بعض الوازع

الديني، وبعض القرآن، ووقتئذ يكون قد حصَّن نفسه من همزات الشياطين، سهلة هي، لذلك

لم أجد ما يمنعني الحضور حين ترجاني صديقي في حزنٍ أن أكون برفقته في جلسة إخراج إحدى الجنيات من جسد زوجته، لم

تكن دعوة، بل كان توسلًا واستجداءً حين سألني أن أكون بجواره، وبعد أن انزعجت من

حالتها التي أخبرني عنها وأبديت موافقتي مساندة له، اتفق معي على اليوم والميعاد، وما إن عدت لمنزلي شملتني الحيرة من أمر

زوجته، كيف تطور حالها هكذا؟! بحقٍ لم أنفك عن التفكير فيه وفيما آلت إليه حال زوجته.

منذ تلك اللحظة التي ولج صديقي باب منزله وأردف وراءه الشيخ ومساعده ثم أنا

بخطواتي المتوترة، وثمة شعور بالخوف اقتحم صدري فجأة؛ تلك الإضاءة الخافتة

ببيته، الجدران التي اكتسى بعضها بلون داكن عشوائي، ولطخت بعضها بكلمات مرتعشة

غريبة لم أفهم منها شيئا، وبينما كنت أتبعهم، وجعلتُ أتطلع إلى جدران الردهة المؤدية

لغرفة نومه، لمحتُ شيئًا وقف له شعر رأسي، فشعرت بتيارٍ باردٍ لفح عقلي، ورعشة خفية

أنبهت كل حواسي حين وجدت من بين تلك الكلمات المرتعشة على الجدران اسم (هارون)!!

هذا اسمي!

لماذا نقش على الجدران؟ ومَن الذي نقشه؟!

دار السؤالان بخلدي وأنا أتحرك خلفهم دون أن أبعد عيني ووجهي عن التطلع إلى الجدران، وعن اسمي، لم تتركه عيني حتى

إنني تقدمت في المسير وتعثرت في جسد المساعد، اعتذرت بتلعثم ونظرت لصديقي

رأيته يتطلع إلي في هدوءٍ أربكني، هممتُ بإخباره عن اسمي المنقوش بحروف مرتعشة،

لكن شعرت ويكأنني فقدت النطق، انعقد لساني، وثقل عقلي بشكلٍ لم أعهده في نفسي،

بالكاد أومأت برأسي أن لا شيء، فتقدم وفتح باب غرفته لألمحها تجلس على فراشها وقد

ارتسمت على محياها ابتسامة ودودة رأيتها من قبل كثيرًا، لكن بهذه المرة لم أرتح لها مطلقًا، أطرقت بعيني جانبًا متحاشيًا النظر إليها حتى دلفتُ الغرفة.

 كانت غرفة متوسطة، فُرِّغت منها كل محتواياتها إلا من فراشٍ تجلس هي عليه، وطاولة خشبية مستديرة نُصبت في ركن

الغرفة، لمحت على سطحها مصحفًا، وزجاجة شفافة على ما يبدو أنها زجاجة ماء، و”منقد” اقترب منه المساعد فورًا بعد إشارة من يد

الشيخ ليخرج قداحة من جيب بنطاله وقربها من كومة داكنة داخل المنقد ليبدأ خيط من

دخان البخور يتصاعد.. فجأة أطلقت زوجته ضحكة عابثة ثم قالت بصوتً ناعم:

مَن سيبدأ معي أولًا؟

لم أفهم الجملة بداية، كان عقلي لا زال مضطربًا، ولساني ثقيلًا، لكن هذا لم يمنع عقلي لفهم ما ترمي إليه، نظرت نحوها فوجدتها

تنظر لي في عيني مباشرة، لحظتان فقط هما كل ما استغرقته نظرتي إليها، لكنهما كانتا

كافيتين لبث التوتر والوجل بقلبي، نظراتها اخترقت كياني، لم تكن عابثة بقدر ما كانت مخيفة، فازداد انعقاد لساني، وشعرت بقوة

خفية كأنما أوتدت ساقي بالأرض، أشار الشيخ نحو الطاولة دون أن ينظر إلينا إشارة منه بجلوسنا على الطاولة ثم سألها في هدوء:

مَن تريدينه أن يبدأ معك؟

للحق اندهشت كثيرًا من سؤاله، لكنني لم أقل شيئًا، كان صديقي قد جلس إلى جانبها، ملامحه كانت حادة، حاجباه منعقدان،

ونظراته كانت متنقلة بين ملامح الشيخ الصارمة، وبين وجهي المتوتر، لم أشغل عقلي بالسؤال عن نظراته، فما تمر به زوجته أكبر

من تلك التساؤلات السخيفة. لم تجب الشيخ عن سؤاله، واكتفت بنظراتها نحوي، لم ينظر الشيخ إليّ، لكنه عاد لسؤالها من تريده أن يبدأ

معها، اعتدلت بالوقوف، لكن الشيخ نهرها بقوة أن تجلس، فعادت لجلستها ثم قالت بصوت متغير موجهة حديثها للشيخ:

أتظن أن يفلح هذا معي؟

بدأ الشيخ في الهمهمة، وأخذ يرطن بأدعية أصابتني بالرهبة، كان “يعزِّم” بكلمات، وأدعية، وبعض الآيات القرآنية، اختلستُ نظرة خاطفة

بطرف عيني فوجدتها تنظر لي نظرة أخافتني، لم أكن أقوى على إبعاد نظري وتحويل وجهي عنها، لكنني لم أستطع، فأطبق الصمت على

حلقي الجاف، وشعرت بصرير أسناني الذي حجبه صوت الشيخ، كان يبدو أن الليلة لن تنتهي من المفاجآت، إذ بينما كان الشيخ يرفع

عقيرته معزِّمًا، ومساعده قد حمل زجاجة الماء وتحرك نحوه، وصديقي جلس كتمثال نُحت

وجهه متجهمًا، ارتفعت صرخة مخيفة من حلقها ثم أخذت تنادي بصوتٍ مرعب لأقسى حد:

– هارون..   هارون.. هارون،  تعال لأحضان حبيبتك، تعال اسكنني وأسكنك.. تعال..

هارون.. هارون، ثم خلعت عنها طرحتها تحت أنظار صديقي الشاردة، وحينما حاول الشيخ صدها وردها عن فعلتها، قاطعته بذات اللهجة المخيفة:

سؤذيك إن حاولت

لم يهتم الشيخ بتهديدها له، وعاد ليرفع صوته آمرًا أن اخسئي واخشعي، لم تعره أدنى

اهتمام، وبدأت تتلوى وهي تمسح بكفيها عنقها، وتجوس بيدها شعرها المنساب، ولا

زالت تناديني وهي تمد ذراعها نحوي، كان هذا أكبر من قدرة صديقي على التحمل، فاق من

شروده وأمسك طرحتها ثم حاول وضعها على شعرها، فنظرت إليه بعينين داميتين وخرج صوتها غليظًا:

ابتعد

وأعقبت كلمتها بدفعه في صدره بيدها وتحت عيني الذاهلتين، انزاح صديقي بعنفٍ وارتطم بجانب الفراش، وانقلب على ظهره، تمامًا كأنما

ألقت طفلة عفيَّة بدميتها عرض الحائط حتى أنه أخذ يتوجع ويتألم، فتدخل الشيخ مجددًا بعدما اختطف الزجاجة من يد مساعده

وسكب منها على كفه، وشرع ينثرها على وجهها وجسدها من تلك المسافة القريبة، وهو يكرر ” لم ينالوا خيرًا”، ” لم ينالوا خيرًا “، ظل

يفعل هذا وهي صامتة، تلهج في قوة ولا زالت تنظر نحوي تلك النظرة المخيفة، فما كان مني سوى أنني تحركت من جلستي محاولًا

مساعدة صديقي، تلك المسافة التي لم تتجاوز نصف المتر، شعرت أنها ميل أقطعه، وحين انحنيت ومددت إليه يدي، سمعتها تقول بلهجة آمرة:

اتركه

لم أستمع إليها وهممت بمساعدته، فشعرت بقوة تطبق على رأسي، وطنينٍ تشعب بأذني، ودوَّار أحاط بضبابية حول عقلي، فثقل

لساني، وتلعثمت، نظرت نحو الشيخ وكنت على وضع الانحناء فوجدته يتصبب عرقًا،

وعلى وجهه ملامح الإرهاق والتعب، أما مساعده فكان كمن لدغه عقرب سام، فقد

احمر وجهه، واحتقن بشدة، وجعل يتراجع في تؤدة وهو يجاهد ويكافح لالتقاط أنفاسه، ظل وجهه يحتقن أكثر فأكثر، بينما ارتفع صوت

الشيخ وهو يتلو ويكرر نفس الآية، تزامن مع ذلك انتفاض جسد صديقي وتمدده على الأرض.

لم أمر بوقت عصيبٍ على مدار حياتي كما مرت تلك اللحظات عقب انتفاض جسد صديقي! وقفتْ زوجته في قوة واستحال لون

عينها للون ضبابي مخيف، وبدأت تنتفض هي الأخرى ثم التفتت إلى الشيخ وزعقت به بقوة، تحشرج صوته، سمعته بعدما اعتدلت وهو

يحاول تلاوة آية أخرى، لكن لسانه أبى مطاوعته، فظل يسعل بقوة، ويشهق حتى سقط مغشيا عليه، نظرت حولي فوجدت

الجميع ملقى أرضًا، تمددوا وافترشوا أرض الغرفة، عندما عدت بنظري إليها وجدتها مبتسمة بعدما عادت عيناها للونها الطبيعي،

لكن ثمة نظرة أخافتني طلَّت منهما، فكرت في الهرب، لم تنصع إليَّ قدماي، حاولت الصراخ، عاندني حلقي، اقتربت مني ولم تبعد نظراتها

عني، فشعرتُ بثقل يجثم على صدري، وثمة سوار من فولاذ قيّد حركتي تمامًا، قاومت

بشدة هذا التأثير عليّ، قاومت حتى خُيل إليّ أنني أحاول دفع ثور من فوق صدري، ظلَّت محاولتي هشة مقارنة بتلك القوة الخفية حتى شعرت فجأة أنني تحررت.

قبل أن أتحرك أو يصدر مني شيء، سمعتُ صوتا بعقلي، كأنما طيفا مرَّ به يخبرني أنها

تحبني، وأن جُل راحتي معها، هززت رأسي بقوة وصرخت دون وعي مني: لا، لا..لا.

وقفتْ على بعد سنتيمترات مني، ونظرت بعيني نظرة اختلج منها صدري، بل هو نداء

مشتعل انطلق كالحمم بكامل جسدي، نداء سعَّره وحرَّقه حتى كادت لوافحه تحرق كل ما

حولي، رغبة متأججة طمست هويتي، وصمَّت أذناي، وألغت عقلي فلم أعد أنصت إلا لهمسها الشجي، وندائها العذب.

هكذا بدأ الأمر، استجبتُ للنداء، ورأيتُ متعتي معها لتنطلق الشرارة الأولى بهذا اليوم، ساعة مضت وهم راقدون بلا حراك، بينما نحن قد

امتزج بيننا كل شيء، حالة انصهار فتَّتت القضبان الحديدة بعقلي وقلبي، امتزاج متكامل، ومتعة خيالية، ونشوة نشبَت حريقًا

لن يخمد، كل خلجة مني صارت ملكًا لها، تحت سيطرتها، متحكمة في زمامها، عدا شيء واحد ظل حائرًا متخبطًا، شيء يخبرني بين

الفينة والأخرى أني على ضلال، صوت سحيق يأتي بعقلي رغم ضعفي أمام عشقها المخيف، ورغباتها المتصلة، صوت يلومني يقول لي: استفق، وابتعد فأجيب: لم يكن ذلك بمحض

إرادتي بل أجبرت عليه، فيختفي الصوت، وأعود لمتعتي، فغدا الابتعاد عنها خطرًا لا آمن عاقبته، غير أنني لا أنكر، فقد أدمنت لقاءها!

قالت لي بلقائنا التالي بلهجة متهدجة:

– لماذا تعذب نفسك معك، لماذا تحبسها في قمقم الانعزال، حررها، ومتعها، ولبِّ لها رغباتها، فما أعذب الشعور بالراحة بعد تعب، لا تكن كالـ..

ظلت تقنعني وقتذاك، وكنت مهيئًا للاقتناع، فاقتنعت، أو الأحرى أنني تغافلت عن الحقيقة، وأبعدت عن رأسي صوت نفسي، فتجددت

اللقاءات، حتى أنني لم أعد أشفق على صديقي، ولم أهتم لأمره، حتى مع تبدل حاله وانفصاله عنها لم يؤثر بي، لقد دلفت خلية

النحل، واختليت بالملكة التي تأخذ ما تريد مني وتقتلني بعدها، لكنها تحييني من جديد، وتعبث معي، وتنال مرادها، وتقتلني مرة

أخرى، وثالثة، ورابعة ثم تعود لتحييني.

ألم أستعذبته، وحالة من الربط لا فرار منها، ولا انفكاك عنها كبلتني، لكن هناك ومضة أمل مشتتة لاحت من بعيد جعلتني أفكر في

التخلص من هذا النجس، وهذا الرجس، تلك الدائرة لن أستطيع الخروج منها إلا إذا…

اليوم هو لقائي الأخير، لقد تخطينا مرحلة الجسد الوسيط، وتحولت المتعة لحالة برزخية أهيم بها وقت غفوتي فبت أحلم بها، ووقت

صحوي فبت أسمع فحيحها بأذني، أنصت لتأودها، كأني أراها، وأتألم من خمش أظافرها بجسدي، وبما أنها الليلة الأخيرة كما قررتُ،

فقد أعددتُ لها مفاجأة لأسطر النهاية!

الظلام الآن دامس، والصمت مهيب بحق، وتحت وسادتي استقرت زجاجة الماء التي قد

استخلصتها من الشيخ وقتذاك، ومصحف أمي التي تركته لي قبل موتها، ومسدس به رصاصة واحدة! فإما النجاة والفلاح، وإما الخلاص من هذا المستنقع و..

أشعر باقتراب حضورها بليلتي الأخيرة، علّها تكون ليلة النجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي