كأيِّ أمٍّ يصنع خيالُها من عناصر الكون أعداء لبنيها، ودأبُ ظنِّها ألا حماية بعد الله لهم إلا بين رموشها، وأن عينيها لا قيمة لهما إن لم تقوما بحراستهم، كنتُ، وما زلتُ أنا..
ربما زيد هذا بشيء من قلق، هو فطرة جبلت عليها، لم أخترها، ولطالما عانيتُ منها، والحمد لله على كل حال..
لذا، ما ضبطت نفسي ذات مرة بقادرة على ترك بناتي وحدهن، وإن اضطررت، اعتصرني الغم كمدا إلى أن تنقضي حاجتي لذاك المُلِحَّة، وأعود إليهن محلقة بجناحين من شوق وقلق..
يزيد حرصي على وجودهن بمعيتي إذا ما كُنَّ في غير بيتنا، وكنا من آن إلى آخر بفضل من الله ومِنَّة نسافر لأداء العمرة، لكن مدينتنا كانت تبعد عن مكة مسافة سفر يقارب اليوم، ثم نقضي ساعات ترقى إلى اليومين في فندق ما..
كان زمن ما قبل الكورونا يتَّسِمُ بالازدحام وتكدس المعتمرين والوافدين والمشتاقين والمحبين في الحرم، ومناطق مترامية من حوله..
وبناتي لم يترك التعب من أجسادهن خلية إلا واستعمرها بعد سفرة طويلة، متبوعة بعناء الطواف والسعي، ثم قطْع مئات الأمتار عائدين إلى الفندق، فكانت تلك رحلة مستقلة لأن أكسبها الألم طولا وبعدا ومشقة..
ما زِلْنَ أطفالا، وتفضلنَ على قلبي الذي أبى إلا اصطحابهن بأن احتملنَ وصبرنَ، حتى أجهز العناء على كل فضلة من جهد لديهن..
لكن مثلي تعتاش على أثر هذه العمرة من العام إلى العام، وليس يعنيني سوى البقاء في حضرة عرش الرحمن، وفي ظل البيت المعمور، وحول كعبة الله المشرفة..
بين نارين أنا؛ نار شوقي وتطلعي للعودة إلى البيت الحرام لقضاء سويعاتِ ما قبل الرحيل، وجمر تحميل بناتي طائل من المشقة ومشاركتي بقية الرحلة؛ فليس مثلي يجرؤ على المجازفة بتركهن وحدهن، حيث الغربة في غياهب الغربة..
فاز عقلي ذات تعقُّلٍ وقررت تركهن على أن أسارع بالعودة، ولم أغفل منذ نما لعقولهن إدراكٌ أن أراجع أوراقا أدسها بيدي في جيوبهن؛ تحمل أرقام بعض الجوالات والهواتف التي تخصني وأهليهم وبعض الأصدقاء إن احتجنها، هذا ما علَّمنيه تكرارُ تعرضي لاحتمالية مغادرتهن في أي وقت، ربما بسبب فجاءة مرض، وربما غدر الغربة بالموت..
مترددةٌ أنا ومتوجسة خيفة يشوبها جزعٌ، أتممتُ جهازيتي استجابةً لشوقي، ثم كعادتي راجعت حال الأبواب والنوافذ والكهرباء وغيرها مما يشكل بالنسبة لي أعداء لهن كما أسلفت..
راجعت وراجعت حتى تراجعت، قتل قلبي قرار عقلي، فأوشكت على الإذعان، لكنني ما أعلنتُ عن تراجعي إلى الآن..
ضاع الوقت ما بين مراجعتي وترددي، وضِعتُ أنا بين نزاع دَبَّ بين عقلي وقلبي، حتى شممت رائحة القرار..
حقا..
فقد وصل إلى أنفي رائحة نفاذة كادت تخنقني، مسبوقة بصوت جلبة لم أتبين كنهها أو سببها..
هرولت إلى حيث الصوت والرائحة التي تزداد حِدَّة وانتشارا، فتحت باب الغرفة وإذ بي أفاجئ بمشهد لو أن للغباء والجهل قمةً لاحتلَّها وصانعُه..
وجدت رجلا علمت فيما بعد أنه جارنا في الغرفة المجاورة ممسكا بأنبوب غاز ضخم، فتح محبسه ليفرغ ما به من غاز في ردهة الطابق الذي نقطنه، والتي لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، ولا نوافذ فيها ولا مجال لانتشار الغاز الخانق وتبدُّدِه إلا بالقدر الذي سيكون من نصيب أنوفنا وصدورنا أثر استنشاقه؛ فلن ينقشع إلا بعد القضاء على كل حيٍّ حِلالٍ في هذا الطابق، وربما الذي يعلوه وكذا الذي هو دونه..
انطلقت بعد حرصي على إحكام نوافذ الغرفة لفتحها على مصراعيها وستائرها، لكن لا مناص من مغادرة المكان فورا، وتركه لذاك الذي احتل ذرات الهواء، وأقسمَ على ألَّن تدخل ذرةٌ من تنفُّسٍ نقيٍّ منفردة، وفرض نفسه ضيفا سمجا مع كلٍّ..
قضى الله لبناتي ألا يسمحن لي بتركهن، حمدت المولى لأن جعل من ترددي وتأخري إنقاذا لحياتهن؛ فلستُ أعلم مصير فتياتٍ ثلاث يغططن في سباتٍ عميق، محاطات بلا منفذٍ لهواء ( إذ اجتهدت في إيصاد النوافذ درءا لوسواس ( رهف) التي طالما اجتهدت هي في محاولة استغفالي لخوض تجربة النظر من النافذة وما شابه) ولهن جار هاج به فيضٌ من حماقة لتفريغ اسطوانة غاز، تسرب معظمه إلى داخل غرفتهن، ومارس انتشاره كصاحب مكان لا يلزمه لاحتلاله استئذان؟
ماذا لو أن ما تخيلتُه للتوِّ كان؟
أحمدك يا الله، لأن خلقت لي قلبا ربما أهلكني من فرط قلق وأرق، لكن لا أنكر له الفضل بعد فضل الله في الاستبقاء على حياة بناتي..
حمدا لله على سلامة الــ( ريمونارف) وأدامهن الله لي..