أدبي

زجاجة عطر

زجاجة عطر

بقلم: شيماء حسن

زجاجة عطر

عارية مقيدة بأصفاد وسلاسل حديدية، حليقة الرأس، ورائحة الدماء المنبعثة من جلدها المنسلخ تثير الأنوف، وذلك الحرق بعنقها انتفخ وتعبؤه بالمياه.

عظام ساقها المنكسرة خرجت من اللحم وبرزت للخارج، شعرت بها دون أن تحتاج لرؤيتها، وكيف ترى وقد اقتلع عينيها من محاجرها!

حتى أنها لا تستطيع التأوه، فقد أغلق فمها بالخيط والإبرة،

أنات لقيطة بَحَثَتْ عن فممها فوجدته مكمما مخيطًا، فاستدارت لتنبش عن مخرج آخر.

زحفت إلى صدرها، وخرجت من تلك الطعنات المتراصة بداخل جسدها، أظن قد مر يوم أو يومان فقط على ما أحدث بها.

كل ما يدور بعقلها _ الذي ما زال باقيًا لم يغب عن الواقع_

هو كيف أنها ما زلت على قيد الحياة؟!

كيف تتنفس وقصبتها الهوائية بها من الشقوق ما يحول دون وصول الهواء لرئتيها؟

رئتاها!

حتى رئتاها هي الأخرى طالها ما طالها من الطعنات؟

تتساءل لماذا لم تصعد روحها للسماء لكي تتخلص من هذا

العذاب؟!

حتى الطير المذبوح يُترك حرًّا حتى تنتهي روحه، يظل يفرفر بحركات عشوائية حتى آخر نفس، أما هي ذُبحت ولم تتمكن حتى من البكاء أو الصراخ، فقط رجفة تجتاح روحها لتثبت أنها مازالت هنا؛ ما زلت على قيد الحياة، ولكن أي حياة؟

فالموت هو الخلاص من عذابها.

وحين زادت رعشة جسدها وأصابتها الحمى، علمت أن ساعتها قد حانت ولسوف ترتاح، فوجدته يجرها من ساقها، فيتخبط رأسها في الأرض والجدران.

حملها وألقاها بعنف، لم تدر أين رُميت إلا حين شعرت بالمياه من فوقها، فعلمت أنها بداخل حوض الاستحمام.

هناك شيء حاد يلامس شفتيها، ثم قطع الخيط الذي يكمم فمها.

وقتها فقط خرجت شهقة الألم التي كانت حبيسة صدرها،

وبصوتها المحتضر الذي يخرج من أحبال صوتها الممزقة سألت:

– لماذا؟!

فسمعت صوته كفحيح أفعى يهمس بالقرب من أذنيها كعادته، ولكن تلك المرة لم يقل ” أحبك”

بل قال ” لأنك خائنة”

ثم ارتطم شيء برأسها، جاء كصاعقة أصابتها، فتوقف كل شيء؛ توقفت الرعشة، توقفت الشهقة، توقفت الأنات.

أظن حياتها توقفت أخيرًا..

انزلقت بداخل المياه، في حوض الاستحمام، وانقطع نفسها أخيرًا، وانتهى معه عذابها.

انتهى من قتل تلك الخائنة، ونهض إلى صنبور المياه، غسل يديه جيدًا، ثم جلس على كرسيّه الهزاز.

أشعل سيجارة، سحب منها نفسًا عميقًا، ثم أخرج هاتفه، واتصل بالشرطة، أخبرهم أن زوجته غرقت في حوض الاستحمام.

أعطاهم العنوان، وانتظر قدومهم..

ود لو دخل فوجدها ما زالت على قيد الحياة لم تمت، ليعذبها مرة أخرى من البداية.

تمنى لو عادت روحها من جديد، ليذيقها أنواعا أخرى من العذاب لم يتمكن من القيام بها بسبب موتها.

سحب من السيجارة نفسًا آخر، وتذكر كيف كانت تلك الخائنة تغفله وتخونه؟!

هو ” رحيم”

تخونه رغم عشقه لها، سمعها بأذنيه تحدث رجلا آخر في الهاتف، وصعق حين سمعها تخبره ( أحبك، يا أحن الرجال)

تذكر كيف أحسن إليها بزواجه منها، وكيف أنقذها من العار، وفي النهاية ترد إليه المعروف بالخيانة.

غلي الدم في عروقه من أثر ذكرى خيانتها، فوثب من مكانه، ودلف إلى جثتها، وراح يدفع رأسها على حوض الاستحمام، حتى تحولت جمجمتها إلى قطع متهشمة، وفجأة رن جرس الباب.

فتحرك إليه بعدما أغرقته الدماء مرة أخرى، ليجد أمامه رجلاً بيديه صندوق صغير، مغلف بورق ملون، مثبت بخيوط النايلون، وبيده مظروف صغير..

صدم الرجل حين رآه غارقًا في الدماء، وتوقف عن النطق، فنهره وسأله بصوت مرهب وعيون يخرج منها الشرر:

– ماذا تريد؟

فرد عليه متلعثمًا مرعوبًا:

– هذا الطرد مرسل إلى السيد رحيم رشدي..

فجذبه من بين يديه ودفع الباب في وجهه دون الاصغاء لطلبه بتوقيع إيصال الاستلام.

فتح العلبة ليجد بداخلها زجاجة عطر من نوعه المفضل.

انتزع الظرف مسرعًا ليجد بداخله كارت صغير، كُتب عليه:

” عيد ميلاد سعيد، زوجي،

أحبك، يا أحن الرجال”

تمت المراجعة والتنسيق من قبل فريق ريمونارف الأدبية..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

عزيزي العميل انت تستخدم مانع الاعلانات

الرجاء اغلاق مانع الاعلانات لمشاهدة المحتوي